PJD : التقرير السياسي المقدم أمام الدورة العادية للمجلس الوطني للحزب دورة الصمود والانتصار يومه السبت 18 يناير 2025

اورو مغرب18 يناير 2025آخر تحديث :
PJD : التقرير السياسي المقدم أمام الدورة العادية للمجلس الوطني للحزب دورة الصمود والانتصار يومه السبت 18 يناير 2025

اورو مغرب

تقديم
ينعقد المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية في دورة لها أهمية سياسية وتنظيمية كبيرة، وذلك بالنظر للسياق الدولي والإقليمي والوطني الذي تنعقد فيه هذه الدورة، ولمستجدات قضيتنا الوطنية الأولى وطوفان الأقصى المبارك، وكذا لما هو مطروح على الحزب من مسؤوليات سياسية وتحديات ومهام جليلة في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ أمتنا ووطننا وحزبنا، وهو يستعد لعقد مؤتمره الوطني التاسع في أبريل 2025 بحول الله وعونه.
وفي البداية، ومن الوفاء والواجب أن يستحضر الحزب بإجلال أحد رموز الوطن والحركة الإسلامية والحزب الفقيد الأخ محمد الأمين بوخبزة الذي انتقل إلى رحمة الله وعفوه، وأن نتذكر للعبرة في هذ المقام أخلاقه الرفيعة وتفانيه وخدماته الجليلة طيلة مسيرته الغنية سواء من موقعه الدعوي في الحركة الإسلامية منذ بداياتها الأولى، أو كنائب برلماني باسم الحزب، أو على مستوى العمل الخيري والمدني.
وهي مناسبة لنجدد الترحم عليه وعلى كل من فقدناه خلال السنة الماضية وعلى رأسهم شهداء الأقصى المبارك وفلسطين، وفي مقدمتهم قادة المقاومة الفلسطينية القائد الشهيد إسماعيل هنية، والقائد والبطل الميداني الشهيد يحيى السنوار، والقائد الشهيد صالح العاروري، وغيرهم من قادة وشهداء المقاومة والتحرير الذين أحيوا بدمائهم الزكية القضية الفلسطينية وأناروا طريق النصر والتحرير والحرية.
إن خلاصة قراءتنا للمرحلة السياسية التي يلتئم فيها المجلس الوطني ولمحصلة النضال والعمل الحزبي خلال السنة الماضية، هي أن بلادنا تعيش تدافعا كبيرا ومفصليا إن على مستوى الهوية، وهو ما يختزله بشكل كبير التدافع الحاصل بخصوص ورش مراجعة مدونة الأسرة، وبعض عناوين وأنشطة السياسة الثقافية المبتذلة التي طبعت السنة الماضية، أو على مستوى السياسات العمومية الاجتماعية والاقتصادية والمالية، والتي تميزت بإقصاء العديد من المواطنين من الاستفادة من البرامج الاجتماعية، في مقابل تكريس تضارب المصالح واستغلال النفوذ والعجز عن مواجهة مختلف الأزمات والاضطرابات التي عرفتها مختلف القطاعات.
فعلى مستوى أمتنا وقضيتها المركزية قضية فلسطين والأقصى المبارك والقدس الشريف، وعلى مدار 467 يوما -أو ما يزيد عن عام ونصف- من جرائم الحرب ومن حرب الإبادة الجماعية التي تعرض لها
-على مرأى ومسمع من العالم كله- أشقائنا في غزة خاصة وفلسطين عامة على أيدي العدو الصهيوني وجيشه الوحشي، سطرت المقاومة الفلسطينية الباسلة والشعب الفلسطيني الأبي ملحمة طوفان الأقصى المبارك، ووقفت المقاومة مرابطة وشامخة في وجه هذا الكيان الهمجي وداعميه، ووقف الشعب الفلسطيني بشموخ وصمود أسطوريين صابرا ومحتسبا يواجه آلة القتل والتدمير والتجويع والتهجير.
واليوم يحق للمقاومة الفلسطينية وللشعب الفلسطيني ولكل من دعم المقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني وكل أحرار العالم أن يفرحوا بنصر الله وبوقف إطلاق النار وبانتصار المقاومة بصمودها الأسطوري لهذه المدة أمام أعتى وأخبث جيش وكيان.
إذ وبالرغم من الآلام ومن عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى والمكلومين والنازحين، صنعت المقاومة الفلسطينية ومعها الشعب الفلسطيني بفضل طوفان الأقصى المبارك ملحمة فاصلة ومنعطفا تاريخيا في تاريخ القضية الفلسطينية، أحيت الحقوق الفلسطينية الثابتة وغير القابلة للتصرف والنسيان، وساءت أمام العالم أجمع الوجه البشع للعدو الصهيوني وجيشه الوحشي وقادته مجرمي الحرب.
إن اتفاق وقف إطلاق النار ليوم الأربعاء 14 رجب 1446ه (15 يناير 2025م) في هذا الشهر المبارك -شهر الإسراء والمعراج- وبشروط المقاومة، والتي سبق ورفضها الكيان الصهيوني في مايو الماضي، هو انتصار تاريخي للمقاومة الفلسطينية وللشعب الفلسطيني ولكل أحرار العالم، وفشل تاريخي للكيان الصهيوني وداعميه، وسيكون له بإذن الله ما بعده على درب تحرير فلسطين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
لقد انتصرت المقاومة بفضل الله عز وجل، ثم بإيمان وعزيمة وثبات المرابطين وحاضنتهم الشعبية الصامدة والصابرة. فتحقق وقف إطلاق النار، وسيتحقق معه بفضل الله إطلاق سراح الآلاف من الأسرى الفلسطينيين، وعودة النازحين، ودخول المساعدات الإنسانية، وانسحاب الجيش الصهيوني من غزة، وإعادة إعمارها.
وفشل الكيان الصهيوني بغروره وهمجيته ووحشيته رغم الدعم العسكري والاستخباراتي والسياسي الأمريكي والغربي، إذ خضع مرغما لأغلب شروط المقاومة بعد شهور من المماطلة، وفشل في تحقيق أوهامه والأهداف التي حددها لعدوانه. لقد فشل العدو الصهيوني في القضاء على حماس وعلى باقي الفصائل الفلسطينية المقاومة والتي ظلت صامدة إلى اليوم رغم قلة الزاد والعتاد. وفشل في تهجير الشعب الفلسطيني من غزة، ثم فشل في إفراغ شمال قطاع غزة من أهلها. وفشل في حلم الاستيطان بالقطاع. وفشل في تحرير الأسرى بالقوة العسكرية المدججة بأعتى الأسلحة، وبالدعم العسكري والاستخباراتي الأمريكي والغربي غير المسبوق.
وعلى المستوى الوطني، كانت سنة 2024 سنة واعدة على مستوى قضيتنا الوطنية الأولى قضية الصحراء المغربية، حيث سجلت تطورات ومستجدات وازنة بتوالي الاعترافات والمواقف الإيجابية من المقترح المغربي للحكم الذاتي من دول كبيرة من مثل إسبانيا وألمانيا، والتي كان آخرها الاعتراف الفرنسي بمغربية الصحراء من خلال إعلان الرئيس الفرنسي خلال زيارته الرسمية للمغرب نهاية أكتوبر 2024 أنه “بالنسبة لفرنسا، فإن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يعد الإطار الذي يجب من خلاله حل هذه القضية.”.. وأن مخطط الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب في 2007 “يشكل، من الآن فصاعدا، الأساس الوحيد للتوصل إلى حل سياسي، عادل، مستدام، ومتفاوض بشأنه، طبقا لقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة”.
كما كانت السنة الماضية سنة تدافع متصاعد حول موضوع مدونة الأسرة في مواجهة توجهات غريبة يجسدها وزير العدل ورئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، والتي ستؤدي في محصلتها -إن بلغت مداها- إلى تفكيك الأسرة وضرب مقومات تماسكها وتيسير شروط فسخ وانحلال عقدها، واتخذت لذلك أهدافا منها محاولة التهوين من سمو المرجعية الإسلامية للمغرب ومحاولة تهميشها، واعتماد منظور غربي للعلاقات الأسرية والاجتماعية محكوم بمنطق المساواة الميكانيكية والعمياء، والصراع والتنازع، وهو ما جسدته المذكرة التي قدمها المجلس الوطني لحقوق الإنسان أمام الهيئة المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة، وبرز أيضا في تصريحات وزير العدل بخصوص العلاقات الرضائية وغيرها. ونعيش اليوم فصلا جديدا من فصولها مع الإعلان عن المضامين الرئيسية لمراجعة مدونة الأسرة بعد حسم قضية المرجعية الإسلامية وسموها، في الوقت الذي تزال التحديات المرتبطة بالآثار والملآلات السلبية لبعض المقترحات مطروحة، وتتطلب معالجتها على المستوى التشريعي، وهو ما يحتم مواصلة التدافع والنضال من أجل إقرار مدونة للأسرة تشجع الزواج الشرعي وتحافظ على وحدة الأسرة واستقرارها ودوامها باعتبارها الخلية الأساسية للمجتمع.
ومن ناحية أخرى، تفاقمت أزمات الحكومة الصامتة والعاجزة عن التصدي للإشكاليات الاقتصادية والمالية والاجتماعية المطروحة، وهو عجز تأكد اليوم أنه عجز بنيوي وهيكلي ناتج عن مقاربة محكومة بقناعات ومقاربات تسخير السلطة والنفوذ لخدمة المصالح الخاصة وللتشريع على المقاس، وهو ما يتجلى أساسا فيما يلي:
أولا- عدم القدرة على التخلص من جبة خدمة المصلحة الشخصية من موقع تدبير الشأن العام، كما برز في تضارب المصالح واستغلال النفوذ والمنافسة غير الشريفة في الصفقات العمومية والشراكة بين القطاعين العام والخاص، من مثل مشروع تحلية المياه بجهة الدار البيضاء-سطات، المتمثل في استثمار يبلغ 6,5 مليار درهم مقابل بيع الماء المحلى للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب لمدة 27 سنة بالثمن الذي عرضه تحالف الشركات الفائز بالصفقة، وكذا في صفقة 2,44 مليار درهم لتموين المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب بالفيول الممتاز والعادي، ومواصلة الأرباح الفاحشة على مستوى سوق بيع المحروقات؛
وثانيا- ضعف الاستباقية وغياب المقاربة السياسية المسؤولة كما ظهر في سلسلة أزمات قطاعات التعليم والصحة والقضاء، والمسارعة لحلها بإجراءات مالية، وفي غياب أي مجهود لتوفير الموارد اللازمة والقارة، في مقابل اللجوء المفرط إلى المديونية وبيع عقارات الدولة ومرافقها العمومية تحت عنوان “التمويلات المبتكرة”؛
وثالثا- الاستعلاء والفشل في التواصل والسطو على إنجازات الحكومتين السابقتين مع تبخيسها وتحميل عجز الحكومة إلى من سبقها؛
ورابعا- التطبيع مع الفساد والريع واستهداف مؤسسات الحكامة، كالهيأة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، ومجلس المنافسة، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي؛
ثم خامسا وأخيرا- الفشل الذريع في تقديم نموذج سياسي للكفاءات التدبيرية والتمثيلية النزيهة والقادرة على القيام بواجبها الوطني وخدمة الصالح العام بعيدا عن المحسوبية وخدمة المصلحة الشخصية غير المشروعة، وتسجيل بلادنا لأكبر عدد من المتابعات القضائية للمنتخبين وطنيا ومحليا في التاريخ السياسي لبلدنا.
وهي كلها عناصر تفرض على الحزب مسؤولية سياسة أكبر كحزب مناضل من موقع المعارضة الوطنية المسؤولة للمساهمة في مواجهة استحقاقات المرحلة والتحديات المستقبلية.
لقد كانت سنة 2024 سنة حافلة بالعطاء النضالي والسياسي لحزبنا نظم فيها العديد من الأنشطة النوعية وعبر فيها عن العديد من المواقف وهو ما كرس موقعه كقوة سياسية أساسية في المعارضة، تميزت بحضور لافت للأخ الأمين العام للحزب، والأمانة العامة، والمجموعة النيابية، والهيئات الموازية، والهيئات المجالية. كما تجلت في مواقف قوية ونوعية من مختلف المستجدات والقضايا الوطنية ومن العمل الحكومي والبرلماني، عبرت عنها بقوة ووضوح تدخلات الأخ الأمين العام وقيادات الحزب وبيانات الأمانة العامة التي أصدرت خلال السنة الماضية 30 بيانا شملت مختلف القضايا والمستجدات الوطنية وكذا قضايا أمتنا وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وتوجيه الأخ الأمين العام رسالة مفتوحة للرئيس الفرنسي على إثر تصريحه بمجلس النواب بخصوص المقاومة الفلسطينية.
كما تجلى الأداء السياسي والنضالي للحزب من خلال تنظيم العديد من الأنشطة النوعية من مهرجانات وندوات صحفية ولقاءات دراسية وغيرها من الأنشطة الحزبية، وكذا من خلال العمل الرقابي والتشريعي المتميز للمجموعة النيابية للحزب بمجلس النواب.
وقد انطلقت هذه الأنشطة بتنظيم الحزب يوم 03 مارس 2024 مهرجانا خطابيا وطنيا حول موضوع مراجعة مدونة الأسرة، وتبعه بعد ذلك تنظيم الحزب لمجموعة من الأنشطة، وهي كالتالي حسب تسلسلها الزمني:
16 أبريل 2024: نظم الحزب ندوة صحفية لتقديم تقييم الحزب للحصيلة المرحلية لعمل الحكومة، في سابقة من نوعها دفعت رئيس الحكومة لتأجيل موعد تقديمه للحصيلة الحكومية.
11 ماي 2024: نظم الحزب ندوة صحفية ثانية في نفس الموضوع لتصحيح مغالطات رئيس الحكومة أثناء تقديمه للحصيلة المرحلية للحكومة بالبرلمان يوم 24 أبريل 2024.
16 ماي 2024: نظمت المجموعة النيابية للعدالة والتنمية بمجلس النواب لقاءا دراسيا حول موضوع: “الفعالية والنجاعة القضائية في مشروع قانون رقم 02.23 المتعلق بالمسطرة المدنية”.
يونيو 2024: نظمت منظمة نساء العدالة والتنمية الجامعة الصيفية تحت شعار: “الريادة النسائية والمشروع المجتمعي”.
26 يوليوز 2024: نظم الحزب ندوة صحفية حول مشروع قانون المسطرة المدنية بالنظر لمساس المشروع بحق الدفاع وحجية الأحكام القضائية والأمن القضائي…
شتنبر 2024: نظمت شبيبة العدالة والتنمية الملتقى الوطني الثامن عشر تحت شعار “نضال شبابي مستمر من أجل قضايا الوطن والأمة”.
26 أكتوبر 2024: نظم الحزب مهرجانا خطابيا وطنيا بمناسبة الذكرى السنوية لطوفان الأقصى تحت شعار “وتستمر المقاومة حتى النصر”.
31 أكتوبر 2024: نظم الحزب ندوة علمية وطنية بعنوان “قضية الصحراء المغربية: تحديات ومهام المرحلة”، وذلك على إثر صدور قرار محكمة العدل الأوروبية القاضي بإلغاء اتفاقيات الفلاحة والصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي.
فاتح نونبر 2024: نظمت جمعية محامون من أجل العدالة ندوة علمية قانونية حول موضوع: “مشروع قانون المسطرة المدنية في الميزان الدستوري والحقوقي”.
02 نونبر 2024: نظمت اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني التاسع للحزب ندوة حزب العدالة والتنمية بعيون خارجية تحت عنوان “حزب العدالة والتنمية: حصيلة التجربة وآفاق المستقبل”.
10 نونبر 2024: نظمت جمعية منتخبي العدالة والتنمية ومنتدى الأطر والخبراء بالحزب لقاءا دراسيا حول الجهوية المتقدمة.
11 نونبر 2024: نظم الحزب ندوة صحفية حول مستجدات مشروع قانون المالية لسنة 2025.
07 و08 دجنبر 2024: نظمت منظمة نساء العدالة والتنمية الملتقى الوطني لمنتخبات العدالة والتنمية تحت شعار “نساء من أجل مواصلة النضال والبناء التنموي الترابي”.
19 دجنبر 2024: نظم الحزب ندوة صحفية حول تضارب المصالح لرئيس الحكومة في صفقة تحلية مياه البحر بجهة الدار البيضاء – سطات، على إثر دفاع رئيس الحكومة يوم الاثنين 16 دجنبر 2024 في جلسة عمومية بمجلس النواب عن فوز شركة يملكها، ضمن تحالف شركات، بمشروع تصميم وتمويل وتشغيل محطة تحلية مياه البحر بجهة الدار البيضاء-سطات، ونفيه استفادة هذا المشروع من الدعم العمومي في تناقض مع مصادقة اللجنة الوطنية للاستثمارات التي يرأسها في اجتماع رسمي لها يوم 10 دجنبر 2024 على هذا المشروع ضمن صنف الدعم المخصص للمشاريع الاستراتيجية.

ويسعى هذ التقرير إلى التذكير بمختلف هذه الأنشطة والفعاليات النضالية والمواقف، وذلك بعد أن تجاوزنا نصف الولاية الحكومية والترابية، والحزب يستعد لمؤتمره الوطني العادي التاسع، وللاستحقاقات الانتخابية المقبلة ليواصل أدائه النضالي بقوة وعزيمة دفاعا عن قضايا وطننا وأمتنا والمواطنين والمواطنات، وذلك من خلال بسط المحاور الخمس التالية:
أولا- مواصلة دعم قضيتنا الوطنية الأولى وقضايا أمتنا؛
ثانيا- دعم قضايا الهوية والأسرة والتعليم العتيق والثقافة؛
ثالثا- الحقوق والحريات والصحافة والإعلام؛
رابعا- الحصيلة والعمل الحكوميين؛
خامسا- الحزب ومواصلة النضال الديمقراطي ودينامية الانطلاقة المتجددة.
أولا- قضيتنا الوطنية الأولى وقضايا أمتنا
ألف- قضيتنا الوطنية الأولى الصحراء المغربية: تطورات وازنة
تعرف قضية وحدتنا الترابية تطورات ومستجدات وازنة، والتي كان آخرها الاعتراف الفرنسي بمغربية الصحراء من خلال إعلان الرئيس الفرنسي خلال زيارته الرسمية للمغرب نهاية أكتوبر 2024 أنه “بالنسبة لفرنسا، فإن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يعد الإطار الذي يجب من خلاله حل هذه القضية.”.. وأن مخطط الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب في 2007 “يشكل، من الآن فصاعدا، الأساس الوحيد للتوصل إلى حل سياسي، عادل، مستدام، ومتفاوض بشأنه، طبقا لقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة”.
وقد كان الحزب حاضرا ومتفاعلا في مختلف المحطات، سواء حين زيارة المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة السيد ستيفان دي ميستورا لجنوب إفريقيا وإقحامه لها في ملف غير معنية به تماما، وانحرافه بإعادة طرح موضوع التقسيم كخيار لحل النزاع، أو بعد إصدار محكمة العدل الأوربية لقرار بخصوص الاتفاقيتين المتعلقتين بالفلاحة والصيد البحري الموقعتين سنة 2019 بين المملكة المغربية والاتحاد الأوروبي، وهو تدخل اعتبرنا في الحزب أنه ابتزاز سياسي وتدخل مرفوض في سيادة المغرب وفي ملف يدار ضمن الإطار الحصري للأمم المتحدة، وفق المقترح المغربي للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
وهي مناسبة ليؤكد الحزب على المواقف الثابتة التالية:
الانخراط الدائم والقوي للحزب وقيادته ومجموعته النيابية ومختلف هيئاته، إلى جانب القوى والهيئات والمؤسسات الوطنية في معركة الدفاع عن القضية الوطنية الأولى لجميع المغاربة، وفي التعبئة واليقظة المستمرة للتصدي لخصوم وحدتنا الترابية ومواجهة المناورات والحملات المغرضة التي يحركونها، لكسب المزيد من الاعتراف بمغربية الصحراء، وجلب المزيد من التأييد والدعم لمبادرة الحكم الذاتي، كحل وحيد على طريق الحسم النهائي لهذا النزاع المفتعل.
الإشادة الكبيرة بيقظة وجاهزية القوات المسلحة الملكية في الرد بحزم وفاعلية على كل الاستفزازات والمغامرات التي يقوم بها بين الفينة والأخرى الانفصاليون بعد خيبات الأمل المتتالية، ووضعهم المأزوم في المخيمات وعلى الصعيد القاري والدولي.
دعوة الأشقاء في الجزائر إلى تغليب منطق الحكمة وروابط الأخوة والكلمة السواء والتعاطي الإيجابي مع اليد المدودة لجلالة الملك، واستحضار ما يجمع بين الشعبين الشقيقين من روابط الدين واللغة والتاريخ والجوار والمصالح المشتركة في مواجهة عالم يموج بالتحديات والمخاطر، وهو ما يفرض شرعا وعقلا التعاون وتكاثف الجهود لمصلحة الشعبين الشقيقين ومصلحة شعوب المنطقة، وتجنب الفرقة والصراع التي لن تفيد سوى أعداء أمتنا وشعوبنا ومنطقتنا.

وفي هذا المقام، وبالنظر للدور الحيوي لمغاربة العالم في دعم القضايا الوطنية عامة، وملف الصحراء المغربية خاصة، ندعو الحكومة إلى الإسراع في تنزيل ورش إحداث التحول الجديد في مجال تدبير شؤون الجالية المغربية بالخارج وإعادة هيكلة المؤسسات المعنية بها، كما وجه إلى ذلك جلالة الملك.
وندعو بهذا الخصوص إلى احترام الديمقراطية والتمثيلية واعتماد الكفاءة والنضالية وتجاوز منطق الترضيات والزبونية، سواء تعلق الأمر بتشكيل مجلس الجالية المغربية بالخارج، أو بالمؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج.
باء- القضية الفلسطينية وطوفان الأقصى المبارك: مقاومة..وانتصار
نعيش منذ 7 أكتوبر 2023 -تاريخ انطلاق طوفان الأقصى- وطيلة أزيد من 15 شهرا فصول جرائم حرب وإبادة جماعية كاملة الأركان على المباشر وعلى مرأى ومسمع من العالم أجمع -وهو ما لم يشهد العالم مثيلا له- وسلسلة مجازر وحشية عنصرية لجيش الاحتلال الصهيوني النازي في غزة والضفة الغربية، وكذا لبنان وسوريا، في حق المدنيين العزل من نساء وأطفال وشيوخ، مرفوقا بالتدمير الكامل والممنهج لكل البنيات التحتية والمساكن والمساجد والكنائس والجامعات والمستشفيات بما فيها أماكن اللجوء التابعة للأونروا وقتل واعتقال الأطقم الطبية، بالإضافة إلى اعتداءات الكيان الصهيوني وتدنيسه المستمرين للمسجد الأقصى المبارك، وصولا إلى الإحراق الكامل لمستشفى كمال عدوان نهاية دجنبر 2024، وذلك في ظل تواطؤ ودعم مباشر دولي وخاصة من الولايات المتحدة الأمريكية، وحالة صمت وخذلان عربي وإسلامي غير مسبوق.
لقد قدمت المقاومة بفلسطين عموما وغزة خصوصا طيلة 15 شهرا دروسا باهرة في التضحية والصمود والثبات في وجه العدوان الصهيوني الوحشي المدعوم غربيا وأمريكيا، وفي ظل حالة الخذلان والهوان والانكسار العربي والإسلامي، وبقيت المقاومة الفلسطينية صامدة والشعب الفلسطيني صابرا ومحتسبا في مواجهة جرائم الإبادة الجماعية ومحاولات التهجير التي لاقت صمودا شعبيا أسطوريا، وهو ما أسس لولادة مرحلة حضارية جديدة انحاز فيها الشعب المغربي لصالح خيار المقاومة ورفض الاختراق الصهيوني وذلك في سياق تحولات جيو-سياسية كبيرة، لا تترك خيارا سوى الاصطفاف لصالح قيم العدل والكرامة والحرية ومناهضة الاحتلال والعنصرية والإبادة، وخاصة في ظل ارتفاع الوعي الشعبي العالمي بالظلم الذي يطال الشعب الفلسطيني وبتغول ومخاطر المشروع الصهيوني على الأمن والاستقرار العالميين، وهو ما تجسد في المظاهرات المتواصلة المناهضة للعدوان الصهيوني، وبإعلان ثلاث دول أوربية وهي إسبانيا، والنرويج، وإيرلندا، في ماي 2024 الاعتراف بدولة فلسطين، وهو الاعتراف الذي ينضاف إلى 144 دولة عضو بالأمم المتحدة، وتوج بقرار المحكمة الجنائية الدولية متابعة مجرمي الحرب الصهاينة.
واليوم، بفضل الله وعز وجل، وبفضل صمود المقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني لأزيد من 15 شهرا تحقق وقف إطلاق النار ومعه حققت معركة طوفان الأقصى المبارك نصرا تاريخيا فرض القضية الفلسطينية على رأس الأجندة العالمية وفضح التواطؤ الغربي ونبه إلى خطورة الخذلان العربي والإسلامي على واقع ومستقبل أمتنا، وأيقظ الضمير العالمي، وأنهى هيمنة الدعاية الصهيونية في العالم وخاصة في الغرب، وأفشل مخططات العدو الصهيوني للقضاء على المقاومة وتصفية القضية الفلسطينية.
وهي مناسبة لنؤكد على ما يلي:
فرحتنا الكبيرة وتهنئتنا للمقاومة الفلسطينية وللشعب الفلسطيني الشقيق باتفاق وقف إطلاق النار الذي يضع حدا للحرب الظالمة والإجرامية التي شنها الكيان الصهيوني الغاشم على الشعب الفلسطيني في غزة منذ أزيد من 15 شهرا.
وقوفنا بإجلال وإكبار أمام تضحيات المقاومة الفلسطينية الباسلة بقيادة حركة المقاومة الإسلامية حماس وباقي الفصائل الفلسطينية، وأمام صمود الشعب الفلسطيني البطل، في مواجهة محاولات الاستيطان والتهجير، بالرغم من جرائم الحرب التي اقترفها العدو الصهيوني في حق المدنيين العزل، وترحمنا على شهداء شعب فلسطين وقادة وجنود المقاومة الذين أذكوا وأناروا بدمائهم الزكية طريق المقاومة والنصر والتحرير.
دعوتنا العقلاء في السلطة الفلسطينية إلى وقف الاحتراب الداخلي والحملة العسكرية ضد إخوانهم وبني وطنهم في الضفة الغربية، بما هي حملة لا تخدم سوى العدو الصهيوني وأهدافه الاستعمارية والاستيطانية، وتعمق التفرقة والتشرذم والتنازع. وندعو في هذا الصدد السلطة الفلسطينية وكل القوى والفصائل الوطنية الفلسطينية في ظل أجواء النصر الذي حققته المقاومة بكل فصائلها في غزة إلى استئناف جهود المصالحة الوطنية بين مكونات الشعب الفلسطيني، بما يحقق الوحدة الوطنية الفلسطينية لمواجهة الكيان الصهيوني المحتل والعدو الوحيد للشعب الفلسطيني ويدعم المقاومة وجهود التحرير.
ارتياحنا للقرار التاريخي وغير المسبوق بإصدار المحكمة الجنائية الدولية في 21 نونبر 2024 لمذكرتي الاعتقال في حق مجرمي الحرب -رئيس وزراء الكيان الصهيوني ووزيره في الدفاع-، بسبب وجود ما اعتبرته المحكمة “أسبابا منطقية للاعتقاد بأنهما ارتكبا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة”، وأنهما “أشرفا على هجمات على السكان المدنيين في قطاع غزة”، وعلى “استخدام التجويع كسلاح حرب، والقتل والاضطهاد، وغيرها من الأفعال غير الإنسانية”، وهو ما يمثل انتصار للعدالة الجنائية الدولية بالرغم من كل الضغوطات الظاهرة والمستترة التي واجهتها المحكمة، كما يمثل إدانة قانونية وأخلاقية تاريخية لكل الدول الغربية التي زرعت هذا الكيان العنصري في قلب الأمة العربية والإسلامية.
اعتبارنا أن ما حصل طيلة 15 أشهر من جرائم حرب وعدوان همجي وصدور قرار المحكمة الجنائية الدولية في حق مجرمي الحرب الصهاينة وما حققته المقاومة الفلسطينية اليوم بصمودها، يحتم اليوم على دولتنا وعلى كل الدول العربية والإسلامية، تدارك مواقفها والمبادرة إلى دعم وإغاثة الشعب الفلسطيني الشقيق وإدخال المساعدات الإنسانية العاجلة وتسريع جهود إعمار غزة، والوقوف في وجه العدو الصهيوني والضغط بكل الوسائل لترسيخ حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وهو ما يستوجب قطع كل العلاقات وإلغاء كل الاتفاقيات مع الكيان الصهيوني الغاشم، والإغلاق الفوري لمكتب الاتصال الصهيوني، وطرد ممثلي الكيان الصهيوني بالرباط، والإلغاء الفوري لما يسمى لجنة “الصداقة” مع العدو الصهيوني.
تقديرنا العالي لمبادرات جلالة الملك لتقديم المساعدات الإنسانية للشعب الفلسطيني، ومن ضمنها تخصيصه لمنح إضافية لفائدة الطلبة الفلسطينيين المنحدرين من قطاع غزة، المسجلين في الجامعات والمعاهد العليا المغربية، وتأكيد جلالته في عدة مناسبات على موقف المغرب الثابت لدعم القضية الفلسطينية، والتي كان آخرها تأكيد جلالته في خطاب العرش على أن:” الاهتمام بالأوضاع الداخلية لبلادنا، لا ينسينا المأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني الشقيق.” وكذا تأكيده في مناسبات عدة على أن المغرب يضع القضية الفلسطينية في نفس مستوى القضية الوطنية.
إشادتنا بالتعبئة الشعبية المتواصلة لنصرة غزة وفلسطين واستمرار الفعاليات والتظاهرات الشعبية الأسبوعية في مختلف المدن المغربية والمهرجانات الخطابية والمسيرات الشعبية الحاشدة، حيث تم خلال السنة الماضية تنظيم مسيرتين وطنيتين حاشدتين يومي الأحد 11 فبراير و06 أكتوبر 2024، ودعوتنا مواصلة التعبئة الشعبية لدعم المقاومة الفلسطينية وجهود الإعمار والإغاثة والمساعدات الإنسانية، والوقوف في وجه كل أشكال التطبيع والاختراق الصهيوني الثقافي والأكاديمي والجامعي والاقتصادي والتجاري والسياحي…
تجديد إدانتنا الشديدة للمواقف المستفزة والشاذة والشاردة في بلادنا لعصابة “كلنا إسرائليون” ومن يدور في فلكها والتي تتماهى مع مواقف دولة الاحتلال الصهيوني النازي، وتجتر الرواية الصهيو-أمريكية، وتتحدى مواقف بلادنا الثابتة والراسخة من القضية الفلسطينية، قضية كل العرب والمسلمين وكل أحرار العالم.
جيم- تطورات الأوضاع في سوريا الشقيقة: خلاص وأمل
بعد عقود طويلة من الاستبداد والقهر والظلم والتهجير الذي طال الملايين من أشقائنا في سوريا، تمكنت بفضل الله عز وجل، ثم بفضل صبر وصمود الشعب السوري، فصائل المعارضة السورية من إنهاء هذه الفصول المظلمة من تاريخ سوريا، وهي مناسبة لنجدد فرحنا بخلاص الشعب السوري الشقيق والأبي من القهر والطغيان، ولنجدد تهنئته بتحقيق حريته واستعادة عزة ومجد دولته، والتخلص من نظام مستبد ووحشي أذاق الشعب السوري الويلات والإهانة لعقود طويلة.
كما نجدد متمنياتنا بالنجاح لقيادة الثورة في تأمين نجاح المرحلة الانتقالية بوطنية وتعقل وروية، وتثميننا لحرصها على وحدة البلاد وجمع الكلمة وضمان انخراط الشعب السوري بمختلف مكوناته، ودعوتنا جميع السوريين بمختلف مشاربهم ومرجعياتهم وقناعاتهم للتعاون والاجتماع على كلمة سواء من أجل استرجاع استقلالية القرار السوري، وبناء دولة سوريا الوطنية الموحدة والحرة والديمقراطية، بما يحفظ كرامة السوريين ووحدتهم ومقدراتهم، ويدعم قضايا الأمة وعلى رأسها القضية الفلسطينية ومقاومتها المشروعة، ويفوت الفرصة على التدخلات الأجنبية، وعلى الثورة المضادة المعارضة لإرادة الشعوب.
كما نجدد إدانتنا القوية لاستغلال العدو الصهيوني الغادر والجبان لهذه الظروف، والهجوم على سوريا وقضم أراضي سورية وضرب البنيات والمعدات العسكرية السورية التي هي مُلْكٌ للشَّعب السُّوري، وانتهاك صارخ لسيادة الأراضي السورية، ونستغرب بقوة سكوت المجتمع الدولي وجامعة الدول العربية عن هذه الانتهاكات الخطيرة.
وهي مناسبة، لنجدد دعوتنا للدول العربية والإسلامية للتحرك بسرعة لمساعدة أشقائهم في سوريا في هذه المرحلة الانتقالية الحرجة، ودعم وحدة سوريا وسيادتها الكاملة على أراضيها والوقوف في وجه أي تدخل أجنبي، ووقف العدوان الصهيوني على التراب السوري والسيادة السورية.
كما لا يمكننا أن نغفل ما تتعرض له مجموعة من الدول العربية من انتهاك لسيادتها الترابية وخاصة ما تتعرض له سوريا واليمن الشقيق من هجومات متتالية على أرضيهم ومقدراتهم.
وهي مناسبة لتجديد الدعوة لتفعيل العمل العربي المشترك وجمع الكلمة لمواجهة المخاطر المحدقة بمنطقتنا والهجومات التي تستهدف سيادة الدول العربية ووحدة أراضيها، والتي هي عدوان على كل الدول العربية بمقتضى اتفاقية الدفاع العربي المشترك، التي تعتبر أن أي عدوان على أي دولة عربية عدوانا على بقية الدول، وأي مساس بدولة عربية يعتبر مساسا صريحا ببقية الدول العربية.

ثانيا- قضايا الهوية والأسرة والتعليم العتيق والثقافة
ألف- التدافع من أجل مراجعة مدونة الأسرة تحترم الثوابت الدينية والوطنية
لقد كان الحزب سباقا من خلال أمينه العام، وأمانته العامة، ومنظمة نساء العدالة والتنمية، وبادر منذ ظهور الإرهاصات الأولى سنة 2022 بخصوص مدونة الأسرة إلى التصدي للتصريحات الصادرة عن وزير العدل، وعن رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، و بعض الجمعيات، التي سعت كلها إلى الدفاع عن مضامين مرفوضة ومناقضة للهوية الإسلامية والثوابت الدستورية والتأطير الملكي الذي ما انفك يؤكد على ضابط ” لا أحل حراما ولا أحرم حلالا” وعلى ضرورة “صيانة تماسك الأسرة واستقرارها”، فضلا عن كونها مناقضة للقناعات وللمصلحة الحقيقية للمجتمع المغربي المسلم.
وصدرت عن الحزب في هذا الصدد مواقف ووثائق مرجعية مثل المذكرة التي قدمها أمام الهيئة المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة، والمذكرة التي بعثها لنفس الهيئة للرد على المقترحات المعلنة من طرف المجلس الوطني لحقوق الإنسان، حيث اعتبر الحزب أن هذه المقترحات شاذة وشاردة عن كل المرجعيات والثوابت الدينية والوطنية والتأطير الملكي. كما نظم الحزب في هذ الموضوع مهرجانا خطابيا وطنيا بالدار البيضاء في 03 مارس 2024.
وبعد استماع الهيئة المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة للمئات من الهيئات وتلقيها للعديد من المذكرات، رفعت الهيئة مقترحاتها لرئيس الحكومة، الذي رفعها بدوره إلى النظر السامي لجلالة الملك أمير المؤمنين. وبعدها أحال جلالته المقترحات المرتبطة بمسائل شرعية إلى المجلس العلمي الأعلى. وفي يوم 23 دجنبر 2024، ترأس جلالة الملك بالقصر الملكي بالدار البيضاء، جلسة عمل بخصوص موضوع مراجعة مدونة الأسرة. وفي اليوم الموالي، قدم وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية ووزير العدل المضامين الرئيسة لمقترحات مراجعة مدونة الأسرة.
وقد عبر الحزب عن موقفه الأولي من هذه المضامين المعلنة، والذي يمكن إجماله فيما يلي:
تثمينه العالي للمقاربة التي اعتمدها جلالة الملك، أمير المؤمنين، والضوابط التي حددها لمراجعة مدونة الأسرة، والتي أكدت مرة أخرى الدرجة العالية ومكانة الصدارة التي يتبوأها الدين الإسلامي في الهوية المغربية عامة، وفيما يهم شؤون الأسرة خاصة.
تثمينه لدور المجلس العلمي الأعلى والسادة العلماء ومكانتهم المعتبرة لدى المجتمع المغربي المسلم وثقته فيهم، ودعوته لهم إلى الانخراط في هذا الورش بالشرح والتفسير والبيان لرفع كل لبس وضمان انخراط المجتمع وتعزيز ثقته والمساهمة في نجاح هذا الورش المجتمعي الهام.
اعتباره أنه وبقدر ما أن المسائل الشرعية التي حسمها المجلس العلمي الأعلى ورفضها باعتبار أنها تتعلق بنصوص قطعية لا تجيز الاجتهاد فيها أصبحت محسومة بصفة نهائية، فإن المصلحة تقتضي التمحيص والتدقيق القانوني لهذه المقترحات، ودراسة ومراعاة الأثر بخصوص المسائل الشرعية التي استجابت لها لجنة الفتوى، أو تلك التي أعطت فيها حلولا بديلة، وذلك أخذا بعين الاعتبار المخاوف الكبيرة التي أثارتها لدى عموم المواطنين، ليس بالنظر إلى جانبها الشرعي، وإنما بالنظر إلى مآلاتها ونتائجها السلبية والخطيرة على تكوين الأسرة، باعتبارها مؤسسة تقوم أولا وأساسا على المودة والرحمة والمعاشرة بالمعروف والمكارمة، ولا ينبغي أن تتحول إلى شركة تجارية مبنية على المحاسبة والمشاححة المفضية حتما -في حالة الأسرة- إلى تفاقم ظاهرة العزوف عن الزواج، والصراع والنزاع المؤدي إلى تضاعف حالات الطلاق، وهو ما يتعارض مع مقاصد الشريعة التي تهدف إلى تشجيع الزواج والتماسك الأسري بما يحصن المجتمع ويقوي نسيجه وسواده، لاسيما في ظل النتائج المقلقة التي أسفر عنها الإحصاء العام للسكان والسكنى.
تأكيده أن مدونة الأسرة، باعتبارها قانونًا ليس كغيره من القوانين، وورشًا مصيريًا يهم المجتمع والأسرة بجميع مكوناتها زوجا وزوجة ووالدين وأطفالا…، وباعتبارها الخلية الأساسية للمجتمع، لا يمكن أن تُحسم تعديلاتها عبر الأغلبية العددية مهما بلغ حجمها، وإنما هي قضية جوهرية ومصيرية تعني المجتمع برمته، والذي ينبغي أن يحسمها هو مدى التزامها بالمرجعية الدينية والدستورية والوطنية، كما أكدها جلالة الملك، أمير المؤمنين، في أكثر من مناسبة، ومدى تحقيقها للمصلحة الفضلى للمجتمع، والمتمثلة في تشجيع الزواج الشرعي والحفاظ على الأسرة ووحدتها واستقرارها ودوامها.
التأكيد أن الحزب سيواصل عمله الذي بدأه منذ شهور عديدة للتواصل والدفاع بقوة عن تشريع يحترم المرجعية الدينية والدستورية والملكية لهذه المراجعة، ويستجيب لتطلعات المواطنات والمواطنين، ويعالج المخاوف الكبيرة التي أثارتها لديهم بعض المقترحات بالنظر لآثارها السلبية والخطيرة على تكوين واستقرار الأسرة والمجتمع.
وفي هذا الصدد، واصل الحزب وأمينه العام توضيح المخاطر والمخاوف المرتبطة ببعض المقترحات وأصدر مذكرة مكتوبة تتضمن ملاحظات الحزب على المقترحات المعلنة لمراجعة مدونة الأسرة.
باء- الدفاع عن التعليم العتيق والكتاتيب القرآنية
وفي هذا الصدد، وبعد صدور التقرير السنوي عن حصيلة وعمل المجلس الأعلى للتعليم لسنة 2023، عبر الحزب عن استغرابه من صدور فقرات تتهجم على التعليم العتيق والكتاتيب القرآنية بنفس إيديولوجي ضيق وبلغة غريبة وغير مسبوقة في تقرير رسمي لمؤسسة دستورية محكومة بالدستور والثوابت الوطنية الجامعة.
واستهجن الحزب دعوة المجلس إلى “خلو الكتاتيب القرآنية مستقبلا من المتفرغين لحفظ القرآن الكريم بها في صفوف فئات الأطفال الذين يتراوح سنهم بين 4 و 16 سنة بالنظر لمبدأ إلزامية التعليم الذي أقره القانون-الإطار للتربية والتكوين والبحث العلمي.”، واتهامه غير المقبول من جهة أخرى للكتاتيب القرآنية بالتوظيف السياسي وبأغراض مخالفة للأهداف التربوية من خلال دعوته إلى “إقرار نظام داخلي نموذجي ملزم يجنب استغلال الكتاتيب القرآنية من أي شكل من أشكال التوظيف السياسي أو لأغراض مخالفة لأهدافها التربوية”.
جيم- مواجهة السياسة الثقافية والإعلامية المبتذلة للحكومة
إن الملاحظ هو نكوص مهول في المجال الثقافي بفعل اعتماد إجراءات ثقافية وإعلامية لم ترق إلى أن تكون سياسة متكاملة بقدر ما هو تدبير متخبط وارتجالي يخضع لرغبات لوبيات المصالح وجماعات الضغط الإيديولوجية ذات الرهانات الثقافية الأجنبية أو التجارية الربحية القائمة على التمييع والانحلال والتنكر للهوية الإسلامية للمغرب، وترميز نماذج تافهة والتمكين لها في الإعلام العمومي وفي برامج المسابقات التلفزيونية والمهرجانات العمومية، وإغداق الأموال العمومية عليها في مقابل إقصاء وتهميش المثقفين والفنانين الملتزمين بالهوية والثوابت الوطنية.
وفي هذا الصدد، عبر الحزب عن رفضه لعودة تنظيم مهرجان موازين بعدما تم توقيفه عدة سنوات، واعتبر تنظيمه في هذه السنة بمثابة استفزاز للشعور الوطني والعربي والإسلامي والعالمي المكلوم بجرائم العدوان والإبادة الجماعية المتواصلة ضد الشعب الفلسطيني، واستهتارا بمشاعر ومطالب العديد من المواطنين داخل المغرب وخارجه، فضلا عما يمثله هذا المهرجان من تبذير للمال العام وتبديده في مهرجانات لا طائل من ورائها سوى تكريس سياسة الإلهاء وخلق جيل من الشباب مقطوع عن آلام أمته وآمالها. ونفس الشيء مع مهرجان مراكش للسينما في دورته الأخيرة الذي احتفى بفيلم للشذوذ الجنسي، ضدا على الذوق والشعور العام وعلى القانون، وهو ما لاقى استنكارا شعبيا.
والخلاصة التي ينبغي التنبيه إلى مخاطرها، هي أن السياسة الثقافية لهذه الحكومة تكرس التفاهة والابتذال -مثلما ما حصل من احتفاء من طرف وزير “الثقافة” ببعض رموز التفاهة والابتذال في المعرض الدولي للكتاب- ولا علاقة لها بالنهوض الثقافي والأدبي والفكري، ولا صلة لها بخدمة الثقافة المغربية الأصيلة التي يجسدها النبوغ المغربي في كثير من المجالات الإبداعية، ولا تساهم في الرقي بالذوق الجماعي لعموم الشعب المغربي ولا سيما الشباب.

ثالثا- الحقوق والحريات والصحافة والإعلام
ألف- الاعتزاز بالعفو الملكي والانفراج المأمول في باقي الملفات
لقد تميزت سنة 2024 في مجال الحقوق والحريات بالمبادرة الملكية الكريمة بإعمال العفو الملكي في حق مجموعة من الصحفيين والنشطاء، وهي المبادرة الإنسانية التي لقيت استحسانا وترحيبا شعبيين واسعين، وشكلت انفراجا حقوقيا سبق للحزب أن التمسه في عدة مناسبات.
وهي مناسبة لنجدد التماسنا للعفو الملكي الكريم وبأن تشمل هذه المبادرة الملكية الكريمة باقي المحكومين على خلفية الاحتجاجات الاجتماعية وغيرها من الملفات المتبقية، وعلى رأسهم النقيب الأستاذ محمد زيان، والمحكومون على خلفية الاحتجاجات التي شهدها إقليم الحسيمة، مراعاة لظروفهم وظروف عائلتهم الإنسانية، وذلك على غرار العفو الملكي الكريم الذي خص به جلالة الملك حفظه الله بمناسبة عيد العرش المجيد مجموعة من الصحفيين والمدونين والنشطاء المدنيين.
ومن جهة أخرى، نثير الانتباه إلى ما شهدته الآونة الأخيرة من متابعات قضائية من طرف بعض المسؤولين والقيادات الحزبية في حق صحافيين ومدونين، الأصل أنهم يعبرون عن آراء في تدبير هذه الشخصيات للشأن العام الحكومي والسياسي، مما يخلف أجواء سلبية مطبوعة بالتردد والنزوع نحو الانكفاء والعزوف واللامبالاة.
وهي مناسبة لدعوة السلطات العمومية والحكومية ومختلف الفاعلين السياسيين والعموميين إلى أهمية الالتزام والحرص على حرية التعبير والصحافة وحماية الصحافيين أثناء مزاولتهم لمهنتهم، واللجوء إلى الآليات التي يضمنها قانون الصحافة والنشر لمعالجة الأخطاء التي تعترض العمل الصحفي، عوض جر الصحفيين إلى القضاء وتجريمهم وتغريمهم.
كما ندعو في هذا الصدد رجال ونساء الصحافة والإعلام والنشطاء المدنيين والمدونين إلى ضرورة الحرص على الربط بين الحرية والمسؤولية، والتزام القواعد المهنية والأخلاقية التي تحكم العمل الصحفي، واحترام الرموز والثوابت والقيم الوطنية والحياة الخاصة والعائلية للشخصيات العمومية، وتوخي المهنية والموضوعية واحترام حق الرد والمبادرة إلى التصحيح والاعتذار في حال التجاوز أو الخطأ.
باء- الصحافة والإعلام وسؤال الحرية والمسؤولية
وعلى مستوى الصحافة والإعلام، فإن السمة الغالبة هي التراجع والنكوص والتمكين للتفاهة وكذا التراجع الديمقراطي على مستوى تدبير شؤون القطاع، إذ تحولت اللجنة المؤقتة إلى لجنة دائمة ضدا على أحكام الدستور التي تفرض أن يتم تنظيم قطاع الصحافة بكفية مستقلة وديموقراطية، وسط أنباء عن اعتماد توصيات تراجعية عن ضمانات الحرية والاستقلالية في قطاع الصحافة والنشر.
كما كرست الحكومة توجهها التحكمي واللاديموقراطي في سياسة الدعم العمومي الموجه للصحافة بإصدار قرار وزاري مشترك في نونبر 2024 شكل إجهازا على استقلالية وتعددية الحقل الإعلامي الوطني، وضربا لاستقلالية المؤسسات الإعلامية وتراجعا على ما تمت مراكمته طيلة عشرين سنة من الدعم العمومي وخاصة الإصلاح الذي اعتمد قبل 15 سنة، وطالبنا في الحزب بضرورة إلغاء القرار واعتماد مقاربة تشاركية مع المهنيين في إرساء دعم شفاف يحقق أهداف دعم المقروئية والموارد البشرية والتعددية واستقلالية المقاولات الصحفية طبقا للمادة 7 من قانون الصحافة والنشر.
كما تكرس على مستوى الإعلام الرسمي عموما تغييب قضايا الوطن والأمة وخفوت النقاش العمومي حول مختلف القضايا والمستجدات والملفات الحقيقية التي تهم الوطن والمواطنين والمواطنات، واستمرت من جهة أخرى الطريقة المتحيزة وغير المهنية وغير المتوازنة، والتي لا تحترم التعددية السياسية في تعامل القنوات الرسمية مع الأطراف الحزبية والسياسية، وتخرق قواعد التعبير التعددي عن تيارات السياسة والرأي والفكر في الإعلام العمومي المنصوص عليها دستوريا في الفصلين 28 و165 من الدستور، حيث ما زالت قنوات تلفزية وإذاعية تمارس تغييبا مفضوحا في حق المعارضة عموما وحزب العدالة والتنمية خصوصا وسط سلبية الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري رغم تنبيهها ومحاولتها الاحتماء وراء قرارات غامضة تشرع للإقصاء الممارس من قبل بعض القنوات التلفزية.

رابعا- الحصيلة والعمل الحكوميين
لقد تميزت السنة الماضية على مستوى العمل الحكومي -من جهة أولى- بإتمام الحكومة نصف ولايتها وتقديمها للحصيلة المرحلية للعمل الحكومي في أبريل 2024، -ومن جهة ثانية- بتعديل حكومي شمل مجموعة من القطاعات الحكومية في أكتوبر 2024.
ألف- الحصيلة المخيبة المرحلية لعمل الحكومة
في سابقة من نوعها خلفت صدى إعلاميا وشعبيا وأنعشت النقاش العمومي والحياة السياسية بادر الحزب إلى تقديم قراءته للحصيلة المرحلية لعمل الحكومة في 16 أبريل 2024، بما أدى إلى تراجع رئيس الحكومة عن تقديم حصيلته في الوقت الذي حدده سلفا وهو 17 أبريل 2024، بما يثبت ضعف حصيلته وعجزه عن المواجهة ودون أي اعتبار للبرلمان ووظيفته الرقابية واستقلالية هياكله في برمجة أشغاله.
وسيتطرق هذا المحور لمجموعة من العناوين المرتبطة بحصيلة عمل الحكومة، لكن لا بد من التذكير في البداية بكون الحزب نبه إلى خطورة ربط رئيس الحكومة بشكل ملفت ومتكرر للحصيلة المرحلية للحكومة بالبرامج والمشاريع الملكية، واعتباره بذلك بأن أي نقاش بخصوص الحصيلة الحكومية وهذه البرامج والمشاريع هي من باب “البوليميك”، في محاولة للتهرب من المسؤولية السياسية، وفي محاولة يائسة وفاشلة لتحجيم دور الرقابة والمعارضة البرلمانية، وفي تجاهل للمبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية للمحاسبة.
ويعكس هذا السلوك إمعان رئيس الحكومة في التهرب من المسائلة البرلمانية -كما هو شأنه في الجلسات الشهرية التي يختار مواضيعها حسب هواه- وعدم قدرته على تحمل الانتقاد ومحاولته إخراس الأصوات المعارضة، بعد أن استحوذ على جزء كبير من قطاع الصحافة والإعلام، للتغطية على عجز الحكومة وفشلها في تنزيل مجموعة من البرامج والمشاريع، ولا سيما تلك المتعلقة بالإصلاحات المرتبطة بالتعليم والصحة والعدل وتنزيل ورش تعميم الحماية الاجتماعية والاستثمار والتشغيل، في الوقت الذي يسمح لنفسه بأن ينسب لحكومته أنها هي من سرعت تنزيل البرامج الملكية بجدية وكفاءة، ويعتمد في المقابل الافتراء والكذب في تعاطيه مع الأوراش التي أطلقتها الحكومات السابقة، وسعيه لتعليق فشله وعجزه عليها.
وفي هذ الباب، لا بد من التذكير على الخصوص بما دأب عليه رئيس الحكومة وبعض الوزراء -رغم تنبيه الحزب لهم مرارا- في محاولتهم التغطية على فشلهم في التنزيل الصحيح لورش تعميم الحماية الاجتماعية، على ترديد مجموعة من المغالطات والأكاذيب المفضوحة في تصريحاتهم داخل وخارج البرلمان بكون الحكومتين السابقتين لم تصدرا النصوص القانونية والتنظيمية المرتبطة بتنزيل ورش تعميم الحماية الاجتماعية.
حيث سبق لرئيس الحكومة أن أكد في 24 أبريل 2024 خلال الجلسة المخصصة لتقديم الحصيلة المرحلية لعمل الحكومة بأنه: “بعد التنصيب الملكي للحكومة، لم نجد أي نص قانوني يتعلق بتنزيل مشروع التغطية الصحية”؛ وصرح يوم 26 يوليوز 2024 خلال الملتقى الدولي حول الحماية الاجتماعية بأن “الحكومة عندما تم تنصيبها لم تجد سوى القانون الإطار لتنزيل هذا الورش الملكي”، وأخيرا يوم 16 دجنبر 2024 خلال الجلسة العمومية المخصصة للأسئلة الشفهية الشهرية بأنه “”حنا نهار لي جينا ملقينا حتى decret ، والو zero decret..”.
كما أن أحد الوزراء صرح يوم 31 أكتوبر 2024 خلال الجلسة العامة لمناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2025 بأنه “”عند تنصيب هذه الحكومة وجدت قانونا إطارا تمت المصادقة عليه في 15 مارس 2021، ولم يتم تنزيل أي بند فيه رغم مرور 6 أشهر على اعتماده”؛ وأنه “”وفيما يخص المهنيين والعمال المستقلين والأشخاص غير الأجراء، لم تجد هذه الحكومة أمامها إلا مرسومين يتيمين رغم أن قوانين التأمين الإجباري الأساسي عن المرض كانت موجودة منذ سنة 2017″؛ “واليوم، انتقلنا من مرسومين سنة 2019 إلى 30 نصا تشريعيا وتنظيميا، 3 قوانين و27 مرسوما”.
وبطبيعة الحال هذه كلها افتراءات مفضوحة وجهل لا يليق بمسؤولين حكوميين، وسبق للحزب أن نبه الحكومة لها، وفندها بالحجة والبرهان في عدة بلاغات وندوات صحفية ومن خلال تدخلات مجموعته النيابية، وتفندها معه القوانين والمراسيم العديدة المنشورة للعموم في الجريدة الرسمية، بالإضافة لمحاضر عشرات الاجتماعات والمفاوضات التي عقدتها الحكومة السابقة مع المهنيين بمختلف أصنافهم، والتي لولاها لما استطاعت الحكومة الحالية إخراج المراسيم التي أخرجتها في الوقت اللازم.
باء- التعديل الحكومي المخيب للانتظارات والمكرس لمنطق التمكين للشركة
لقد سجل الحزب أن التعديل الحكومي سواء من حيث سياقه أو من حيث “البروفايلات” التي تم اقتراحه هو تعديل مستفز وخيب للآمال وتم خارج أي سياق أو منطق سياسي وتدبيري، وهو بذلك تعديل غير مناسب وغير مُجدي وهو ما أكدته سيرورة الأحداث في عدد من القطاعات.
كما اعتبر الحزب أن هذا التعديل، وبعض التعيينات التي سبقته، ما هي إلا استمرارا للتراجع عن المد الديمقراطي الذي عرفته بلادنا بعد دستور 2011 وتبخيس للعمل الحزبي والسياسي وللسياسيين، وهو ما تجلى في محطات متعددة يشكل رئيس الحكومة الحالي أحد خُدَّامِهَا، سواء خلال “البلوكاج” الشهير بعد انتخابات 2016 أو في انتخابات 2021، من خلال تكريس نموذج تحكمي جديد بوصفة جديدة مبنية على استغلال الجمع بين المال والسلطة للتحكم في السياسة وفي الانتخابات وفي الإعلام…و”صباغة” الإدارة والمؤسسات بلون حزبي واحد ومن شركات رئيس الحكومة، وهو نموذج غير مستدام لا يليق بالمغرب وتاريخه، ويشكل خطرا على المسار الديمقراطي والتنموي والاستقرار الاجتماعي ببلادنا.
كما أكد الحزب أن مخرجات التعديل الحكومي والتعيينات التي طالت بعض المؤسسات والمقاولات العمومية الاستراتيجية شكلت إساءةً للعمل الحزبي والسياسي وللسياسيين، واستغلالا غير مسؤول وتبخيسا لسلطة الاقتراح التي خولها دستور 2011 لرئيس الحكومة، سواء تعلق الأمر باقتراح أعضاء الحكومة أو باقتراح المسؤولين عن المؤسسات والمقاولات الاستراتيجية، وهي للتذكير وللتاريخ سلطة واختصاصات جاءت نتيجة نضالات كبيرة خاضتها الأحزاب الوطنية والديمقراطية ببلادنا لتكريس مكانة الأحزاب والسياسة والسياسيين في التعبير عن إرادة المواطنين والمواطنات، ولتعزيز أدوار رئاسة الحكومة والحكومة في البناء المؤسساتي لبلادنا، ولتجسيد مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
ولم يتردد الحزب في التعبير عن موقفه المستغرب بشدة من احتفاظ رئيس الحكومة بوزير العدل ضمن التشكيلة الحكومية المعدلة، بالرغم من تصريحاته المستفزة لشعور المواطنين والمنافية لثوابت الأمة ودفاعه المتكرر عن العلاقات الرضائية، واستهزائه بحديث نبوي شريف، واحتقاره للمواطنين، وتبخيسه لعمل مؤسسات دستورية من مثل الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، وفي تجاهل تام لما أثاره هذا الوزير من غضب واحتجاجات لدى عموم مهنيي وموظفي قطاع العدل من المحامين والموثقين وكتاب الضبط والمتبارين لولوج مهنة المحاماة وغيرهم، وهو ما نرى انعكاساته السلبية اليوم في خرجاته وتصريحاته المرتبطة بورش مراجعة مدونة الأسرة.
كما أن “البروفايلات” التي اقترحها رئيس الحكومة، بوصفه رئيسا لحزبه، وفضلا عن كونها كذبت شعار “حزب الكفاءات” ووعود “تستاهلو أحسن”، فإنها شكلت أيضا استخفافا كبيرا بأولويات كبيرة وقطاعات استراتيجية وحيوية من مثل قطاعات التربية والتكوين؛ والصحة والحماية الاجتماعية؛ والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي؛ وتكرس توجها نحو مزيد من خوصصة وتسليع الخدمات العمومية الأساسية كالتعليم والصحة، كما أنها تؤكد من جهة أخرى مخاطر وصفة الجمع بين المال والسلطة، إذ أن رئيس الحكومة يتصرف كرئيس شركة ولا يجد أي حرج في اقتراح من هم شركاء تجاريون له أو مستخدمون لديه، كما أن اقتراحه يدور كل مرة في فلك مساعدين له في الوزارة التي كان يرأسها سابقا أو في رئاسة الحكومة حاليا، وهو ما نبهنا لآثاره السلبية والخطيرة على الثقة في المؤسسات.
وكل هذا يقتضي التنبيه من الآن إلى خطورة سيطرة رئيس الحكومة وحزبه من خلال محسوبين عليه وقربيين منه، والتعيينات على مؤسسات اجتماعية وطنية ومعطيات حساسة على تَمَاسٍّ مباشر بمواطنين ومواطنات في وضعية هشاشة، وتحذر مما سيترتب عن ذلك من استغلال حزبي وانتخابي للمعطيات المتوفرة لدى هذه المؤسسات الوطنية، من مثل الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي ووكالة تنمية الأطلس الكبير وبرنامج دعم السكن.
جيم- الأزمات والاختلالات المتواصلة للتدبير الحكومي
لم تستطع الحصيلة المرحلية للعمل الحكومي ولا التعديل الحكومي من تجاوز أزمات واختلالات التدبير الحكومي، التي وعلى العكس من ذلك تفاقمت في مختلف القطاعات والملفات من مثل قطاعي الصحة التعليم، وعَمَّقَهُ استمرار وتسارع مسلسل تضارب المصالح والاستئثار بالثروة واستغلال النفوذ.
وهو ما يمكن تلخيصه في عدة عناوين أساسية:
أزمة التواصل الحكومي
لم يعد الضعف التواصلي الكبير لرئيس الحكومة وللحكومة خافيا على أحد بل أصبح ينبه إليه علنا حتى من هم قريبون منها وكلفهم رئيس الحكومة بالتواصل بالوكالة عنها، وأصبحت أزمة التواصل لدى الحكومة عاملا مؤججا لأزمات هذه الحكومة، بل إن خرجات بعض أعضائها إما تعمق بعض الإشكاليات عوض أن تساهم في حلها كما كان الشأن بالنسبة لوزير التعليم العالي المقال، إبان الإضراب الذي دام لما يناهز سنة في كليات الطب الصيدلة، أو ستعصف لا قدر الله بأوراش كبرى بذلت فيها مجهودات كبيرة وشملتها استشارات واسعة من مثل خرجات وزير العدل المستفزة والمتهورة بخصوص مقترحات مراجعة مدونة الأسرة.
ولا ننسى أن نذكر هنا أن أزمة التواصل لدى الحكومة يعمقها أيضا إما تهرب رئيس الحكومة من المسائلة البرلمانية المقررة لمراقبة العمل الحكومي في البرلمان، وإما من خلال تدخله وبرمجته بتواطؤ مع رئاسة مجلس النواب لمواضيع مستهلكة ومكررة وخارج نطاق القضايا التي تشغل الرأي العام الوطني، مقابل حرصه على الحضور شخصيا للقاءات حزبية منتظمة وبطريقة مضبوطة.
وهنا، لا بد من التنبيه إلى الآثار الوخيمة لأزمة التواصل الحكومي على المصداقية والثقة في العمل السياسي وفي المؤسسات المنتخبة، بالنظر لما تخلفه من فراغ سياسي فظيع وخطير في غياب التأطير والتواصل المؤسساتي والسياسي الهادف والمسؤول وهو ما يفسح المجال للتفاهة والابتذال، وهي مسؤولية الحكومة أولا وأساسا باعتبار ما تتوفر عليه من إمكانيات مؤسساتية وإعلامية ومادية لا تحسن استثمارها، بل نجدها تحاول التضييق على المعارضة وتفسح المجال وتشجع التواصل بالوكالة الذي أثبت فشله الذريع بالرغم مما يوفر له من إمكانيات.
تنامي مظاهر الفساد والزبونية وضرورة تخليق الحياة العامة
لقد سلطت الرسالة الملكية السامية التي وجهها جلالة الملك، في 17 يناير 2024، إلى المشاركين في الندوة الوطنية المخلدة للذكرى الستين لإحداث البرلمان المغربي، الضوء على أبرز التحديات التي ينبغي رفعها للسمو بالعمل البرلماني، وأكدت على “ضرورة تغليب المصالح العليا للوطن والمواطنين على غيرها من الحسابات الحزبية”، ودعت إلى “تخليق الحياة البرلمانية من خلال إقرار مدونة للأخلاقيات في المؤسسة التشريعية بمجلسيها تكون ذات طابع قانوني ملزم”.
وفي الميدان، يلاحظ الجميع انفجار عدد من ملفات الفساد -بحجم وعدد لم يشهده التاريخ السياسي المغربي من قبل- عند منتخبي الأغلبية بالبرلمان وبالجماعات الترابية، في ظل غياب الإرادة الحكومية في ملف محاربة الفساد، حيث لا بد من التذكير والتأكيد أن مجموعة من مشاريع القوانين ذات الصلة بتخليق الحياة العامة من مثل مشروع القانون الجنائي الذي تضمن تجريم الإثراء غير المشروع، والتي سحبتها الحكومة ما زالت تنتظر إلى الآن، كما أن مشروع القانون المتعلق بمحاربة تضارب المصالح طبقا للفصل 36 من الدستور والجاهز مازال هو الآخر ينتظر، وهو ما نبهت إليه ودعت إلى تسريعه الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها.
ثم إن تورط رئيس الحكومة بشكل مباشر في شبهات تضارب المصالح وتكريس زواج المال بالسلطة، سواء على مستوى الأرباح الفاحشة في قطاع المحروقات، نتيجة التفاهمات غير المشروعة في هذا القطاع على حساب المستهلك والاقتصاد الوطني، وكذا تخويل مشروع تحلية مياه البحر بجهة الدار البيضاء-سطات لمجموعة شركات، ضمنها شركة يملكها رئيس الحكومة، وكذا فوز شركة يملكها رئيس الحكومة بصفقة 2,44 مليار درهم لتموين المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب بالفيول الممتاز والعادي، دون أن ننسى الشبهات المالية والضريبية المرتبطة بتسهيل عملية شراء شركة يملكها رئيس الحكومة لشركة كانت مكلفة باستخراج غاز تندرارة.
وتكتمل الصورة في هذا المجال ويتضح غياب الإرادة الحكومية في هذا الورش الحيوي إذا ما استحضرنا التفاعل الحكومي السلبي والتحقيري مع تقارير هيئات الحكامة، وهو ما تجلى مؤخرا في الهجمات المنظمة من طرف مجموعة من الوزراء على التقرير السنوي للهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها.
في الوقت الذي كان فيه من الواجب على الحكومة وعوض الهجوم على الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، العمل على التفعيل الفوري لتوصياتها ومقترحاتها العملية والدقيقة والتي لا تتطلب سوى الإرادة السياسية للحكومة، ومن ضمنها دعوة رئيس الحكومة لعقد اجتماع اللجنة الوطنية لمحاربة الفساد المتوقفة منذ اجتماعها الثاني في 2019؛ وتسريع عرض مشاريع القوانين التالية الجاهزة أصلا على البرلمان، وهي المشاريع التي أعطت بشأنها الهيئة توصياتها للحكومة منذ نونبر 2023. ويتعلق الأمر بالمشاريع التالية:
مشروع القانون حول تنازع المصالح طبقا للفصل 36 من الدستور؛
مشروع القانون المتعلق بحماية الموظفين العموميين المبلغين عن أفعال الفساد بالإدارات العمومية؛
مشروع القانون المتعلق بالتصريح الإجباري بالممتلكات.
وكذا تسريع تفعيل التوصيات التالية للهيئة:
اعتماد تشريع مستقل لتجريم الإثراء غير المشروع لمكافحة الزيادة الكبيرة وغير المبررة في الثروة؛
تجريم تسريب المعلومات المتميزة للحصول على الفوائد والامتيازات؛
التوسع في تجريم الرشوة الانتخابية، وغيرها من صور ومظاهر الفساد التي أكدت الهيئة في تقريرها الصادر تحت عنوان “من أجل منظور تأطيري لأفعال الفساد”، أنها تحتاج إلى تأطير جنائي.
قطاع التعليم والنتائج المخيبة في ظل الشرود عن إطار الإصلاح
لقد عشنا خلال السنة الماضية على وقع ما كشفه الإحصاء العام للسكان والسكنى من استمرار المعدل المرتفع للأمية والبالغ 24.8%، والتراجع الصادم الذي سجلته بلادنا على مستوى التقييم الدولي في الرياضيات والعلوم “تيمس”، واحتلالها للمراتب الأخيرة في هذا التقييم، في أسوأ نتيجة تم تسجيلها منذ أزيد من عشرين عاما، أي منذ أول مشاركة لبلادنا في هذا التقييم، وذلك في ظل الأثر السلبي لتبني تدريس العلوم بالفرنسية خارج المبادئ التي نص عليها القانون الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، وفي غياب التشريعات الخاصة المحددة للقواعد العامة للهندسة اللغوية، والمرسوم المحدد لتطبيقات هذه الهندسة على صعيد كل مستوى من مستويات المنظومة، كما نص على ذلك القانون الإطار.
وتأتي هاته النتيجة المخيبة لتدق ناقوس الخطر بخصوص الخروج عن الإطار المحدد للإصلاح وتدريس كل المواد العلمية باللغة الفرنسية، وهو ما اعتمدته الحكومة خارج هذا الإطار، وهو ما يؤثر على فهم واستيعاب التلاميذ لهذه المواد بلغة أجنبية غير لغتهم الأم ونفورهم منها، بالإضافة إلى تراكم التعثرات الدراسية من مستوى دراسي إلى آخر بسبب اعتماد الانتقال دون استحقاق النجاح من الابتدائي إلى الإعدادي. وهو ما يتطلب استعادة المسار الصحيح للإصلاح من خلال العودة إلى الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030، والتنزيل السليم للهندسة اللغوية كما نص عليها القانون الإطار، عوض “خارطة الطريق للإصلاح 2022-2026″، والتراجع عن تكريس التمييز والفوارق الطبقية في المدرسة العمومية تحت دعوى التميز، وعن إقرار سقف 30 سنة لولوج مهنة التدريس دون أي مبرر علمي وموضوعي.
وذلك، فضلا عن انتهاج سياسات تجريبية في قطاع التعليم العالي وتهميش دور المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، فضلا عن إقصاء التيار السياسي الذي يعبر عنه الحزب من التمثيلية في هذه المؤسسة الدستورية الوطنية، في ضرب للتعددية التي طبعت هذ الملف دائما منذ اللجنة الخاصة للتربية والتكوين.
وفي المقابل، أقدمت الحكومة مؤخرا على تعيينات مستهجنة في مواقع حساسة في هذا القطاع من مثل تعيين وزير التعليم العالي، خارج قواعد الشفافية والكفاءة وتكافؤ الفرص والتجربة الأكاديمية الرصينة، لشخصية معروفة بدفاعها عن ثقافة غريبة عن المجتمع بل وتستهزئ بنصوص دينية، في مجلس إدارة الوكالة الوطنية لتقويم وضمان جودة التعليم العالي والبحث العلمي، عن المؤسسات غير التابعة للجامعات، وهو ما خلف موجة من الانتقادات والاستياء، بالنظر لكونه يكرس مرة أخرى منطق الزبونية الذي تنهجه هذه الحكومة في مجال التعيينات، ومواصلة تشجيعها لرموز الثقافة المبتذلة والمصادمة للشعور والذوق العام للمغاربة، عوض الثقافة الوطنية والمغربية الأصيلة.
دون أن ننسى أننا عشنا السنة الماضية أيضا على وقع تخبط كبير وغير مسبوق في هذا الورش الاستراتيجي حيث انطلقت السنة على وقع محاولة فرض مشروع نظام أساسي لموظفي التربية الوطنية بعد شهور من التوقف وفي غياب المقاربة التشاركية وبإجراءات فوقية، وهو ما أدى إلى شلل المنظومة التعليمية، قبل أن تتراجع الحكومة من خلال إجراءات مالية مكلفة، ودون أن يرتبط ذلك بتعبئة وطنية للإصلاح.
أزمة قطاع الصحة وإضراب طلبة الطب والصيدلة
لقد سجلت السنة الماضية استمرار أزمة غير مسبوقة في قطاع الصحة العمومية سواء على مستوى الكليات العمومية للطب والصيدلة أو على مستوى المستشفيات والمرافق الصحية العمومية، في الوقت الذي تزدهر فيه الكليات الخاصة للطب والصيدلة، وكذا بعض شبكات المصحات الخاصة ومن نوع خاص والتي أصبحت تتمدد بشكل سريع، في الوقت الذي عشنا فيه شبح سنة بيضاء تهدد مصير أزيد من 25.000 طالب وطالبة على مستوى كل الكليات العمومية للطب والصيدلة، والتوقف المتكرر للخدمات الصحية بالمستشفيات، وهو ما تطور إلى احتقان اجتماعي على غرار ما عاشه قبله قطاع التعليم، وذلك نتيجة غياب التعامل السياسي الاستباقي والناضج والمسؤول.
وقد تم تجاوز هذه الأزمة التي دامت ما يناهز السنة مباشرة بعد التعديل الحكومي عبر وقف كل العقوبات التأديبية في حق الطلبة والطالبات، وعدم تطبيق قرار ست سنوات بأثر رجعي، وبرمجة الامتحانات الاستدراكية بطريقة معقولة، وهو حل كان مطروحا أشهرا عديدة واقترحه الحزب عدة مرات قبل اعتماده، لكن تعنت وزير التعليم العالي المقال وتخلف رئيس الحكومة عن تحمل مسؤوليته الدستورية والسياسية في حسم التناقضات داخل الحكومة أطال الأزمة دون سبب موضوعي.
ونجدد في الحزب موقفنا المحذر من سياسات التأزيم في القطاع الصحي العمومي بشقيه على مستوى التكوين والتداريب والخدمات، وهو ما يجعل المواطنين أمام خيارين صعبين، إما التخلي عن الاستشفاء أو اللجوء المجبر إلى صنف جديد وغير طبيعي برز مؤخرا في القطاع الصحي الخاص، بتوجهات تجارية وربحية معلنة تتطور بسرعة خيالية وبشكل غير معقول على شكل شبكة مصحات عابرة للمدن أصبحت في وضع هيمنة على القطاع الصحي بشقيه العام والخاص، تجذب المرضى عبر مختلف الوسائل بما فيها حملات الإشهار ضدا على القانون وفي انتهاك صارخ لمقتضيات مدونة أخلاقيات المهن الصحية، وفي تنافس غير قانوني وغير شريف مع باقي مكونات القطاع الصحي الخاص العادي والطبيعي من عيادات ومصحات.
وهو ما ينبغي التنبيه والانتباه إليه من الآن وإلى خطورته ولآثاره الوخيمة على جودة واستمرارية الخدمات والمرافق الصحية بالقطاعين العام والخاص، وعلى ورش تعميم الحماية الاجتماعية، وعلى استدامة التوازنات المالية لصناديق ومؤسسات الضمان والحماية الاجتماعية، التي بدأت تسجل عجوزات مالية كبيرة تنذر بارتباك التغطية الصحية، وهو ما يتطلب الانتباه لهذه الاختلالات ما دمنا في بداية هذا الورش وقبل أن تستفحل، بما يحفظ استمرارية الخدمات والمرافق الصحية لفائدة المواطنين والمواطنات ويحافظ على مكانة وأدوار القطاع الصحي العمومي سواء في شقه المتعلق بالخدمات الصحية أو بكليات الطب والصيدلة العمومية، ويراعي التوازن والتكامل المطلوبين بين القطاعين العام والخاص.
ورش تعميم الحماية الاجتماعية وتكريس الإقصاء وتسليع الخدمات الصحية
وبخصوص ورش تعميم التغطية الصحية، فقد أثبتت التقارير الرسمية الصادرة مؤخرا عن مؤسسات دستورية ما سبق أن نبه له الحزب منذ مدة بكون طريقة تنزيل الحكومة لهذا الورش، سيؤدي حتما إلى إقصاء العديد ممن كانوا يستفيدون سابقا وأعطى في ذلك أرقاما محددة. واليوم ووفق تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي فإن 8,5 مليون أي حوالي ربع الساكنة لا يستفيدون إلى الآن من التغطية الصحية، إما لأنهم غير مسجلين أصلا (5,5 مليون) أو لأنهم غير قادرين على الأداء وبالتالي فإن حقوقهم مغلقة (3 مليون)، وذلك بعد مرور ما يناهز سنتين على الأجل الذي حدده القانون-الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية لتوسيع التغطية الصحية الإجبارية بحلول نهاية سنة 2022، وليتمكن 22 مليون مستفيدا إضافيا من الاستفادة من التأمين الإجباري الأساسي عن المرض.
كما أدت هذه المنهجية أيضا إلى أن بين 57% و97%، حسب صنف المستفيدين من نفقات التأمين الإجباري الأساسي عن المرض يتم توجيهها نحو القطاع الصحي الخاص الربحي، بالرغم من كون المستشفيات العمومية تمثل الحصة الكبرى على مستوى الطاقة الاستيعابية وعلى مستوى الاستقبال. وهو ما يعني السعي إلى تهميش المستشفى العمومي وتسليع الخدمات الصحية، على عكس ما تعهدت به الحكومة بخصوص التأهيل الحقيقي للمنظومة الصحية، طبقا لأفضل المعايير، والتكامل بين القطاعين العام والخاص، وضدا على توصية المجلس الأعلى للحسابات ب: “تطوير وتأهيل المؤسسات الاستشفائية قصد توفير عرض العلاجات وتحسين جودة الخدمات الصحية في القطاع العام على صعيد جميع جهات المملكة”.
وهو ما يثير التساؤل مرة أخرى حول مدى صوابية الخيار الذي اعتمدته الحكومة فيما يخص تحويل المستفيدين من “راميد” إلى نظام “أمو تضامن” بفاتورة تفوق 4,75 مرة الفاتورة التي كانت تتحملها الميزانية العامة، حيث كان تستفيد حسب الإحصائيات الرسمية 3,72 مليون أسرة (18,44 مليون مستفيد ومستفيدة) من المساعدة الطبية المجانية “راميد” في المستشفيات العمومية بفاتورة تبلغ 2 مليار درهم سنويا. وبعد أن حولت الحكومة في فاتح دجنبر 2022 ما يقارب 9 مليون مستفيد من “راميد” إلى نظام “أمو تضامن” أصبحت تدفع 9,5 مليار درهم سنويا من الميزانية العامة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وهو ما تتوجه 57% من نفقاته إلى القطاع الصحي الخاص الربحي.
وهو الخيار الذي أفضى من جهة إلى إقصاء العديد من المستفيدين من “راميد” والذين لم تستطع المنظومة لحد الآن إدماجهم كما تؤكد ذلك الإحصائيات السابقة، كما أدى هذا الخيار إلى مضاعفة الفاتورة التي تتحملها الميزانية، ثم إلى الاختلال بالتوازن المطلوب بين القطاعين العام والخاص، وهو ما سيؤدي ليس فقط إلى تهديد الاستدامة المالية والتوازن المالي للنظام، بل إلى تهديد استدامة الولوج والخدمات على مستوى القطاعين العام والخاص، فضلا عن كونه يؤجل ورش تأهيل القطاع الصحي العام وتحسين جودته.
وبخصوص الدعم الاجتماعي المباشر ومدخول كرامة، لا بد من التذكير أن سياسة الحكومة في إرساء الدعم الاجتماعي المباشر من خلال تجميع ميكانيكي للبرامج السابقة: من مثل برنامج دعم الأرامل، ودعم التمدرس “تيسير”، والتكافل العائلي، ومليون محفظة، الأشخاص في وضعية إعاقة، لم يراع الحقوق المكتسبة في هذه البرامج وأدى إلى الإقصاء من الاستفادة بحكم العتبة أولئك الذين كانوا يستفيدون من الدعم المباشر، أو إلى نقص في المبلغ الذي كانوا يستفيدون منه سابقا كمثال الأرامل اللواتي كن يحتضن يتامى وكانت تبلغ منحتهم 1.050 درهم وأصبحن اليوم يستفدن من الحد الأدنى من الدعم الاجتماعي المباشر المحدد في 500 درهم.
كما ينبغي الوقوف عند عدم وفاء الحكومة بما وعدت به بخصوص مدخول الكرامة، والتفافها عليه عبر ما سمته “التعويضات العائلية لأسر تعول أشخاصا مسنين، عبر منحة جزافية تبلغ قيمتها 500 درهم شهريا”، وهو نصف مبلغ 1.000 درهم الذي وعدت به الأشخاص المسننين الذي يتجاوز سنهم 65 سنة وفي حالة عوز، وليس أسرا تعولهم.
وعليه، فإن الحاجة ملحة لوقفة لتقييم الإشكالات الكبيرة التي يعرفها نظام تعميم التغطية الصحية والدعم الاجتماعي المباشر واتخاذ القرارات التصحيحية اللازمة قبل فوات الأوان، وخاصة ما تطرحه العتبة المحددة للاستفادة والعتبات المتعددة والمختلفة المتعلقة بالتغطية الصحية والدعم الاجتماعي ومنح الطلبة وغيرها، بل أصبح يطلب من المصرحين بإدراج أفراد عائلة آخرين لخفض تنقيط العتبة وتمكينهم من الاستفادة.
قطاع العدل والمقاربة الانفرادية في مشاريع القوانين الهيكلية
يمثل قطاع العدل نموذجا ثالثا بعد قطاعي الصحة والتعليم للقطاعات التي عرفت أزمات متتالية، بالنظر إلى الطريقة الغريبة والمتسرعة التي يتعامل بها وزير العدل مع أوراش هيكلية تخص سير العدالة، بدءا من العلاقة مع النقابات العاملة في القطاع، حيث عاشت المحاكم شهورا من الارتباك بفعل سلسلة إضرابات أدت إلى ارتباك السير العادي للمحاكم وإلى تأخر صدور الأحكام وضياع حقوق المتقاضين، ثم تلا ذلك الأزمة مع المحامين -حيث دخل المحامون في سابقة من نوعها في إضراب مفتوح- بسبب المنهجية المعيبة لوزير العدل في تعامله مع قوانين هيكلية تنظم المهنة وتؤطر سير العدالة وتتطلب التشاور الواسع والعميق واحترام مخرجات الحوار الوطني حول العدالة، من مثل المسطرة المدنية والمسطرة الجنائية، بما يؤدي إلى إصدار نصوص تحترم الضمانات الأساسية التي كرسها الدستور للمواطنين والمواطنات، وتجيب عن الإشكالات الحقيقية التي أفرزتها الممارسة العملية.
ولهذا نبه الحزب إلى الأهمية القصوى لهذه النصوص لارتباطهما الوثيق بتوفير شروط المحاكمة العادلة وإقامة العدل وإنفاذ القانون وضمان الأمن القضائي واستقرار المعاملات وضمان حقوق التقاضي والدفاع عبر مختلف درجات التقاضي وضمان الحقوق والحريات التي نص عليها الدستور ، كما حذر من الخطورة الكبيرة لهذه المقاربة المعيبة، ودعا إلى عدم التسرع وإلى ضرورة إعمال المقاربة التشاركية الواسعة والاستماع إلى وجهة نظر المهنيين والمعنيين بمجال القضاء، وإحالة هذه المشاريع قبل اعتمادها على المؤسسات المعنية لتبدي رأيها الاستشاري بشأنها، وفي مقدمتها المجلس الأعلى للسلطة القضائية، والاستماع لرأي الجمعيات المهنية وللسادة والسيدات القضاة والقاضيات والمحامين والمحاميات، ومختلف المتدخلين في منظومة العدالة.
وفي مقابل السرعة التي يحاول بها وزير العدل تمرير مجموعة من القوانين الهيكلية في مجال الحقوق والحريات، نسجل عجز الحكومة وغياب الإرادة السياسية وتأخرها -لما يناهز سنتين- في ترتيب الآثار القانونية لقرار المحكمة الدستورية رقم 207/23م.د الصادر بتاريخ 2023/02/21 بشأن البتّ في دستورية القانون التنظيمي رقم 86.15 المتعلق بتحديد شروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون طبقا للفصل 133 من الدستور، وهو ما يعطل حق المواطنين الدستوري في الدفع بعدم دستورية قانون معين.
لذا، يجدد الحزب دعوته للحكومة للمبادرة بترتيب الآثار القانونية لقرار المحكمة الدستورية، لاسيما وأن الأمر يتعلق فقط بتصحيح الإجراءات المتبعة لإقرار هذا القانون التنظيمي ليس إلا، ولا يتطلب كل هذا الوقت، ويدعو إلى إحالته في أقرب وقت على البرلمان للمصادقة عليه.
النتائج المخيبة في النمو والاستثمار والتشغيل
يمثل هذا المجال التجلي الأبرز للإخفاق الحكومي بفعل العجز والخصاص المسجل في هذا المجال والذي تؤكده المؤشرات الرسمية كضعف معدل النمو وبعده عن تحقيق ما وعد به البرنامج الحكومي بالرفع من وتيرة النمو إلى معدل 4% خلال الولاية الحكومية، وتفاقم معدل البطالة الذي وصل 13,7% والتي بلغت مع نتائج الإحصاء العام للسكان 21% وهي نسبة لم يسجلها المغرب منذ 2000، وتسجيل 1.645.000 عاطل، وعجز الحكومة عن الوفاء بإحداث مليون منصب شغل صافي على الأقل خلال ولايتها، وتراجع نسبة مساهمة النساء في سوق الشغل إلى أقل من 19% مقابل تعهد الحكومة برفعه إلى أكثر من 30%، وتزايد عدد الشركات المفلسة والتي بلغت 12.397 سنة 2022 و14.245 سنة 2023، ومن المتوقع أن تبلغ أزيد من 14.600 سنة 2024.
ونؤكد بأن هذه النتائج المخيبة والمقلقة هي نتائج طبيعية لآفة الريع والجمع بين المال والسلطة وجعل هذه الأخيرة في خدمة جماعات المصالح المحدودة، والاستئثار بفرص الاستثمار والإنتاج والصفقات العمومية والمشاريع الكبرى ضدا على عموم المقاولات الوطنية، وما ينجم عن كل هذا من تبديد الثقة وخلق أجواء من الانتظارية والإحجام والإحباط لدى الفاعلين الاقتصاديين والمقاولين.
وهي أيضا نتيجة طبيعية لسياسة الحكومة الحالية المعاكسة للاستثمار وللنمو وللتشغيل، ولضعف استباقيتها وتأخرها الكبير في إرساء “التعاقد الوطني للاستثمار”، الذي نادى به جلالة الملك منذ أكتوبر 2022، وفي تفعيل نظام الدعم الخاص بالمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، ونظام الدعم الخاص بتشجيع تواجد المقاولات المغربية على الصعيد الدولي.
وقد سبق الحزب أن نبه إلى الارتباك الكبير والارتجالية في تدبير ملف الاستثمار من خلال التعديلات المتتالية والمتعددة وغير المتناسقة على القوانين المرتبطة بالاستثمار والمراكز الجهوية للاستثمار التي ركزت القرار الاستثماري وعقدت المساطر عوض أن تبسطها وضببت الرؤية لدى المستثمرين وعطلت التعاون المطلوب في هذا الملف بين الحكومة والسلطات الترابية باعتبار أن الفعل الاستثماري له ارتباط وأساس ترابي.
كما أن النتائج المحققة في ملف التشغيل، هي نتيجة طبيعية لتأخر الحكومة الكبير في الاهتمام بإشكالية البطالة، حيث لم ينتبه رئيس الحكومة لهذ الموضوع إلا بعد مرور سنتين مصرحا خلال تقديمه الحصيلة المرحلية للعمل الحكومي في 25 أبريل الماضي أمام البرلمان بأنه “من المفروض أن نضاعف الجهود لتوفير مزيد من فرص الشغل اللائق…” وأن رؤية الحكومة “تقتضي جعل التشغيل أولوية قصوى في النصف الثاني من هذه الولاية”، وذلك بالرغم من أنه خص التشغيل في المحور الثاني من برنامجه الحكومي -في أكتوبر 2021- بعنوان طموح هو: “مواكبة تحول الاقتصاد الوطني من أجل خلق فرص شغل للجميع”، وتعهده بتنفيذ “سياسة وطنية للتحول الاقتصادي تحكمها ثلاث مبادئ أساسية” وضع على رأسها “جعل التشغيل المحور الأساسي لكل السياسات العمومية في الميدان الاقتصادي”، وأكد آنذاك أنه “وبشكل أعم، يظل التشغيل والحد من تفشي البطالة من القضايا الكبرى التي تشغل بال المغاربة.”.
وبالرغم من هذا التعهد المتأخر، لم يتضمن قانون المالية لسنة 2025 إجراءات عملية وجديدة لما أسمته الحكومة خارطة طريق للنهوض بالتشغيل بغلاف مالي يبلغ 14 مليار درهم، واكتفت بالعمل على تفعيل برامج إنعاش التشغيل الموجودة وتعديل جزئي للإجراءات الضريبية الموروثة من الحكومات السابقة، بالرغم من أن الحكومة ادعت كعادتها القطيعة مع قوانين المالية السابقة.
ونعتبر أن تفاقم البطالة ولا سيما في صفوف الشباب عامة والشباب حاملي الشهادات بصفة أخص، وتأخر الحكومة في معالجة هذا الملف بالرغم من تعهدها بجعله أولوية الاولويات، ولجوؤها الى مكاتب دراسات خارجية في سياسة عمومية وطنية واستراتيجية تهم مستقبل المغرب ومستقبل شبابه هي منهجية غير مقبولة وغير منتجة. وقد سبق للحزب أن دعا إلى عمل وطني تشاركي وعميق من خلال تنظيم مناظرة وطنية حول الاستثمار والتشغيل، برعاية ملكية سامية، باشراك كل الفعاليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والاكاديمية والمدنية والكفاءات الادارية والمؤسسات الدستورية المعنية تتوج بقانون إطار يشكل ميثاق وطنيا للتشغيل وباستراتيجية وطنية للتشغيل.
ونقف في الأخير عند المقاربة التقنية والمالية للحوار الاجتماعي دون اقترانه بإحداث مناخ وطني لسلم اجتماعي فعلي محفز للاستثمار وجذبه والقيام بالإصلاحات المطلوبة، وهو الشيء الذي لم يتحقق رغم الميزانية الكبيرة التي خصصت للحوار الاجتماعي، والتي وبالرغم من ذلك لم تخلف الارتياح العام المفترض في المجتمع، بفعل ارتفاع الأسعار وبلوغ التضخم مستويات غير مسبوقة، لم تقدر تلك الزيادات على التخفيف من آثاره.
قوانين المالية وتكريس خدمة فئات محدودة ومحظوظة على حساب الاقتصاد الوطني وعموم المقاولات الوطنية
شكل قانون المالية 2025 تجليا جديدا لعجز الحكومة في التفاعل مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تعرفها بلادنا، من مثل تلك المتعلقة بالتشغيل ومحاربة الفساد وإصلاح أنظمة التقاعد وقطاع المؤسسات العمومية، وإبداع أولويات وتوجهات وإجراءات تستجيب لتطلعات المواطنين والمقاولة، فضلا عن استمرار نفس النهج الاقتصادي والضريبي الخادم لفئات محدودة.
فعلى خلاف وعد الحكومة أثناء مناقشة القانون المالية 2024 أن اصلاح صناديق التقاعد سيكون سنة 2024، ما زال الإصلاح في قاعة الانتظار رغم النزيف الذي تعرفه صناديق التقاعد خاصة الصندوق المغربي للتقاعد حيث حصل تأجيل الإصلاح مرة أخرى بالرغم من تراجع رصيد احتياطيات الصندوق المغربي للتقاعد إلى 65،8 مليار درهم، مما سيؤدي إلى نفاذه في أفق ،2028 وستكون الدولة مضطرة إلى توفير 14 مليار درهم سنويا للوفاء بالتزاماتها اتجاه المتقاعدين.
وهو إصلاح نبه إليه بنك المغرب في تقريره السنوي سنة 2023 حيث دعا إلى ضرورة استكمال إصلاح أنظمة التقاعد بسبب تفاقم المخاطر المحيطة بتوازنات هذه الأنظمة تدريجيا، وفي نفس الإطار دعا المجلس الأعلى للحسابات في تقريره السنوي 2022-2023 إلى إصلاح أنظمة التقاعد حيث تظل الإكراهات التي تعرفها المالية العمومية مرتبطة أيضا بالإشكاليات الكبرى المتعلقة بديمومة صناديق التقاعد والتي لم تعرف تقدما منذ الإصلاح المقياسي لسنة 2016 على الرغم من طابعها الاستعجالي.
لقد سجلنا على قانون المالية لسنة 2025 مجموعة من الخروقات الدستورية والقانونية عبرنا عنها بوضوح لكن تجاهلتها أو تغاضت عنها الحكومة وخاصة:
نشر الحكومة بتاريخ 13 شتنبر 2024 لتفاصيل كاملة حول اصلاح الضريبة على الدخل قبل عرضها على المجلس الوزاري والمجلس الحكومي والبرلمان للمصادقة؛
إضفاء شرعية على فعل غير قانوني وهو الاعتداء المادي، ضدا على الفصل 35 من الدستور الذي ينص على أن القانون يضمن حق الملكية، وأنه لا يمكن نزع الملكية إلا في الحالات ووفق الإجراءات التي ينص عليها القانون؛
إضفاء الشرعية على ألعاب الحظ وهي القمار البين دون مراعاة الآثار الوخيمة على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للأسر وعلى النشء وأيضا حرمته الدينية وذلك ضدا على الفصل 32 من الدستور.
اعتماد غير مسؤول ودون إطار قانوني واضح وفي غياب الشفافية المطلوبة وبسهولة غير مسؤولة على تعبئة “التمويلات المبتكرة” والذي من شأنه تعميق إشكالية ارتفاع عجز الميزانية ونسبة المديونية في المستقبل ورهن القرار المالي لبلادنا وذلك نتيجة الالتزام بنفقات كبيرة ونفقات جديدة (كتحملات إعادة كراء الأصول التي تم تفويتها)، مقابل عدم استدامة تطور الموارد، وتجاهل الحكومة وإهمالها للإصلاحات الضرورية لترشيد النفقات وتطوير الموارد العادية وهدرها لسنوات من العمل المضني لاستعادة التوازنات والتحكم في مسار عجز الميزانية والمديونية.
غياب تصور لضمان استدامة تمويل برنامج تعميم الحماية الاجتماعية التي ستتطلب تعبئة غلافا ماليا سنويا سيصل 40 مليار درهم سنة 2026، بفعل هشاشة استدامة التمويل الحالي واعتماده أساسا على الاستدانة حيث لجأت الحكومة إلى اقتراض 13 مليار درهم من البنك الدولي، كما أن نظام التأمين الاجباري الأساسي عن المرض الخاص بالمهنيين والعمال المستقلين والأشخاص غير الأجراء الذين يزاولون نشاطا خاصا يعاني من عجز بنيوي كبير نظرا لضعف إقبال الفئات المعنية على الانخراط في النظام وصعوبات تحصيل واجبات الاشتراك، فضلا عن العجز المسجل في الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي. هذا مع العلم أن الحكومة ملزمة بتفعيل المحور الثالث والأخير للحماية الاجتماعية المتعلق بتوفير التقاعد ل 5 ملايين من المواطنين النشيطين سنة 2025 والذي يتطلب غلافا ماليا يقدر ب 19 مليار درهم، خاصة وأن نسبة المساهمات تقدر ب10 % بدون مساهمة للمشغل أو الدولة.
سياسة الحكومة الخاطئة في إصلاح دعم غاز البوتان وتطوير قطاع الهيدروجين الأخضر
وفي الوقت الذي كام من المنتظر أن تعمد الحكومة إلى بلورة إصلاح طموح وشجاع ومسؤول لمنظومة المقاصة أعلنت الحكومة هذه السنة عن التقليص الجزئي من الدعم الموجه لقنينات غاز البوتان برسم سنة 2024، بما قدره 2,5 درهم بالنسبة لقنينة غاز البوتان من فئة 3 كلغ، و 10 دراهم لقنينة غاز البوتان من فئة 12 كلغ، وذلك باعتماد منهجية ترقيعية في إصلاح صندوق المقاصة وتعمدها الخلط بخصوص هذه الزيادة بين المقاربة السابقة لحكومة العدالة والتنمية برئاسة الأستاذ عبد الاله ابن كيران ومقاربة الحكومة التي يترأسها السيد عزيز أخنوش بخصوص هذا الإصلاح.
وفي هذا الصدد، لابد من التذكير بأن أوجه الاختلاف بين المقاربتين كثيرة ومتعددة وفاصلة، ومنها:
أولا: افتقاد الحكومة للشجاعة السياسية ولمبادئ الشفافية والمسؤولية، حيث لجأت إلى إصدار بلاغ غير موقع ويوم عطلة (الأحد 19 ماي) مكتفيا بحمل وسم وزارة الاقتصاد والمالية (مديرية المنافسة والأسعار والمقاصة)، ولم تشر نهائيا إلى الاتفاق الذي عقدته في أكتوبر 2023 مع صندوق النقد الدولي، والذي يتضمن دعما ماليا مقابل مصفوفة من الشروط من بينها التزام الحكومة برفع الدعم عن غاز البوتان، واكتفت بالإحالة على القانون الإطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية، وتعمدت هذه المرة ذكر تاريخ صدوره في الجريدة الرسمية (23 مارس 2021) لربطه بالحكومة السابقة، في الوقت الذي يصر فيه رئيس الحكومة في مناسبات أخرى على أنه لم يجد لا قوانين ولا مراسيم في الموضوع كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
ثانيا: إن مقاربة الحكومة، والذي سبق وصرح بأنه يريد الإبقاء على صندوق المقاصة، ليس المراد منها توفير التمويلات اللازمة لورش تعميم الحماية الاجتماعية كما تدعي ذلك الحكومة، لأن الذي وفر الاعتمادات الكافية واللازمة لهذا الورش الاجتماعي المهم هو الإصلاح الكبير الذي قامت به بكل شجاعة وشفافية ووطنية حكومة العدالة والتنمية برئاسة الأستاذ عبد الاله ابن كيران، ولكنها مقاربة تهدف أساسا إلى تكريس الريع والفساد واستدامة استفادة النافذين من صندوق المقاصة وعلى رأسهم رئيس الحكومة الذي توجد شركته “إفريقيا غاز وفروعها” في وضعية هيمنة على سوق الغاز بالمغرب بجميع سلاسله انطلاقا من موانئ المملكة إلى آخر منزل على التراب الوطني “الاستيراد، والتخزين، وملئ القنينات، والتوزيع…”، حيث ستجمع هذه الشركة بين الاستفادة من الزيادة في أسعار القنينات -الذي يكتوي منه المواطن- مباشرة من جيوب المواطنين، والاستمرار من ريع الاستفادة من الدعم من الميزانية العامة على حساب المواطن أيضا باعتبارها من أموال دافعي الضرائب.
ولهذا نجدد اليوم وقوف الحزب ضد هذه المقاربة المعيبة التي تكرس وتضمن استمرار الريع والفساد، والتي توجد على النقيض من مقاربة العدالة والتنمية والتي ما فتئ الحزب يدافع عنها بخصوص إصلاح صندوق المقاصة، وهي التي تهدف أولا إلى القطع النهائي مع الريع والفساد والاستفادة غير المستحقة من صندوق المقاصة، وثانيا تحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير الدعم المباشر للفئات الهشة، وثالثا، استعادة التوازنات المالية لتوفير الاعتمادات المالية الكافية لضمان استدامة صرف أجور الموظفين وتمويل نفقات الاستثمار والقطاعات والبرامج الاجتماعية.
كما نذكر بما سبق وأكد عليه الحزب في عدة مناسبات بخصوص مقاربة الحزب لإصلاح صندوق المقاصة والمتمثلة في المزاوجة بين توجيه الدعم نحو الفئات المستحقة بما فيه إمكانية منح “قنينة غاز” مجانية شهريا لكل أسرة تطلبها وتستحقها أو ما يعادلها ماليا، وهو ما سيكلف ميزانية الدولة مبلغا لا يصل إلى 6 مليار درهم سنويا، مقابل أضعاف هذا المبلغ من الريع الذي يصرف سنويا من الميزانية العامة لهذه الشركات، التي استفادت بين الفترة 2015 و 2023 مما مجموعه 111 مليار درهم من صندوق المقاصة، ووقف هذا الدعم المقرون بالريع الذي تستفيد منه هذه الشركات في غياب قدرة صندوق المقاصة على التحقق من الكميات الحقيقية المستوردة والموزعة والمستهلكة من غاز البوتان.
ومن جهة أخرى، وتجنبا للمضاربة والتفاهمات والتواطؤات والتي من شأنها أن تؤدي إلى زيادة غير معقولة في أسعار بيع قنينات الغاز، نؤكد مرة أخرى على ضرورة:
أن يقترن وقف الدعم وإنهاء الريع مع توفير ما يعادل ماليا “قنينة غاز” مجانا، بضبط الدولة لأسعار بيع قنينات الغاز للعموم من خلال تحديد هامش الربح باعتبار أن هذا السوق يعيش وضعية هيمنة على السوق، قريبة من الاحتكار، تتطلب تدخل الدولة،
وإقران ذلك أيضا بدعم حقيقي ومحفز وحاسم للفلاحين بهدف تعميم استعمال الطاقة الشمسية لضخ مياه السقي عوض الدعم الهزيل الذي أقرته الحكومة في فبراير الماضي والمتمثل في نسبة 30 وهدف 51.000 هكتار، في الوقت الذي تدعم فيه الحكومة التجهيز بالسقي الموضعي من 60 إلى 100، وهو ما يعني إذا ما أضفناه إلى قرار الحكومة الزيادة في سعر الغاز مع الإبقاء على دعم الغاز أن سياسة الحكومة هي مواصلة دعم استهلاك غاز البوتان في الفلاحة واستمرار الاعتماد عليه بما يخدم مصالح فئات محددة ويضمن الريع في المقاصة.
وفي نفس السياق وبخصوص تطوير قطاع الهيدروجين الأخضر فإنه ولأهميته الاستراتيجية الواعدة يفرض تأطيره ليس بمنشور لرئيس الحكومة، بل بإطار قانوني متكامل وواضح لجعل عرض المغرب لقطاع الهيدروجين الأخضر مستندا على رؤية واضحة ومندمجة بشأن فرص وآفاق ومخاطر الاستثمار في هذا المجال.
ولهذا نؤكد الدعوة إلى اعتماد نص قانوني ضروري -مؤطر وملزم- يناقشه البرلمان، صاحب الاختصاص، يحدد من خلاله ظروف وكيفيات الاستثمار في هذا المجال الجديد، وينص بوضوح على شروط الاستفادة بشفافية وعبر المنافسة الشريفة من مختلف الامتيازات العمومية ومن الوعاء العقاري العمومي الكبير المخصص لهذا المشروع، ويؤطر المستثمرين ويعطيهم الرؤية اللازمة، ويقيد الحكومة والإدارة بضوابط قانونية ملزمة تضمن الشفافية والمنافسة والمساواة في الولوج إلى هذه المشاريع والامتيازات المخصصة لها وتقطع مع منظومة الريع والاحتكار ومع المزيد من تركيز الثروة والفرص الاستثمارية.
تفاقم اختلالات تنزيل الجهوية المتقدمة وأداء باقي الجماعات الترابية
وإلى جانب تفاقم اختلالات العمل الحكومي، تشهد الجماعات الترابية تدهورا حادا وارتباكا كبيرا في عمل وتدبير المجالس وتعطيل التنمية الترابية وتوقف المرافق والخدمات العمومية، وهو الارتباك الذي أدى إلى سعي العديد من المستشارين الجماعيين إلى تقديم ملتمسات مطالبة الرؤساء لتقديم استقالتهم، خلال دورة أكتوبر للمجالس الجماعية للسنة الماضية.
وبالرغم من اختلافه مع الأغلبية المكونة لمجالس الجماعات الترابية وشرعيتها ارتباطا بانتخابات 08 شتنبر 2021، لكن في إطار حرص الحزب المبدئي على تكريس الاختيار الديمقراطي وعلى دور ومكانة المؤسسات المنتخبة في البناء الديمقراطي والمؤسساتي والتنموي لبلادنا، عبر الحزب عن رفضه للخطاب والأسلوب الذي توجه به بعض ممثلي السلطة “للمجالس المنتخبة” و”للمنتخبين” كما حدث بإحدى مجالس الجهات خلال دورة أكتوبر 2024.
حيث أكد الحزب على الأهمية القصوى الحيوية للديمقراطية التمثيلية ومكانة وأدوار الجماعات الترابية في التنمية والاستقرار واعتبر أن معالجة الاختلالات وضعف التدبير لمنتخبي 08 شتنبر 2021 لا يكون “بالتوبيخ” المرفوض تماما “للمنتخبين” وتحقير مكانة “المجالس المنتخبة” في تجاوز للاختصاصات القانونية المخولة للسلطة في علاقتها مع هذه المجالس، وإنما يكمن في معالجة أصل الداء المتمثل من جهة في مسؤولية الأحزاب السياسية في اختيار المناضلين الحقيقيين والكفاءات النزيهة والقادرة على التدبير الجيد، ومن جهة أخرى في احترام السلطات المختصة للقانون والتزام الحياد في تدبير العملية الانتخابية والسهر على شفافيتها ونزاهتها من أولها إلى آخرها، بما يؤدي إلى اختيار مؤسسات منتخبة قوية ذات شرعية تعمل في إطار الاختصاصات التي يخولها لها القانون، وفي إطار الاحترام المتبادل والواجب وجنبا إلى جنب وعلى نفس المستوى مع السلطات المعينة.
دال- الخلاصات الأساسية للحصيلة والعمل الحكوميين
لقد كشفت السنة الثالثة من عمر الأغلبية الحالية على مستوى الحكومة والجماعات الترابية عن عمق أزمتها، وفشل المقاربة والوصفة السياسية التي اعتمدت كبديل عن حزب العدالة والتنمية وكخيار لطي صفحته وإنهاء فعاليته السياسية والنضالية، وهو ما تتمثل أبرز مؤشراته في:
أولا- اشتغال الحكومة بمنطق التهاون والاستخفاف بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقها والاستمرار في تمجيد الذات وتجاهل الواقع المعيش للمواطنين والمواطنات، وعدم قيامها بكامل أدوارها في التواصل وايجاد الحلول للأزمات المتتالية التي عرفتها وتعرفها مختلف القطاعات والمجالات، وإذكاء بعض وزراءها لعناصر تأجيج وتأزيم الوضع لدى بعض الفئات مما يؤثر على الرأي العام وعلى السير العام والعادي للمرافق والخدمات العمومية.
ثانيا- تفاقم أزمة الثقة وهو ما تمثل في الحادث المؤلم يوم 15 شتنبر 2024 بفعل ما شهدته مدينة الفنيدق من محاولة للهجرة الجماعية من طرف مجموعة من الشباب والقاصرين استجابة لنداء مجهول تم ترويجه عبر صفحات التواصل الاجتماعي، وما رافق ذلك من تصريحات وتداول للعديد من الفيديوهات والصور الصادمة للرأي العام، وصمت الحكومة وتجاهلها التام لهذه الوقائع وعدم تدخلها في الوقت المناسب وغياب الحس الاستباقي لديها.
ثالثا- بطء معالجة الإشكالات المتعلقة بتنزيل برنامج إعادة البناء والتأهيل للمناطق المتضررة من زلزال الحوز، والذي يلخصه تمكن قرابة 1.000 أسرة فقط من إنهاء أشغال إعادة بناء وتأهيل منازلها بعد مرور سنة من حدث الزلزال وذلك من أصل أزيد من 50.000 منزلا معنيا، وهو ما ولد حالة إحباط واحتجاجات لدى الفئات المتضررة، ويذكي مسار انهيار الثقة في قدرة المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية على الوفاء بعهودها والتزاماتها، لاسيما في ظل الإعلان رسميا عن هذا البرنامج بمبلغ 120 مليار درهم، وإحداث وكالة تنميه الأطلس الكبير في وقت قياسي لتنزيله، وفتح الحساب الخاص للتضامن المخصص لتدبير الآثار المترتبة عن الزلزال للمساهمة في تمويل هذا البرنامج.
رابعا- الفشل في التفاعل والتواصل خلال الفيضانات التي شهدها الجنوب الشرقي للمملكة، وتسجيل نفس التخوفات المرتبطة بالتأخر في الاستفادة من برنامج إعادة تأهيل المناطق المتضررة من الفيضانات ومن الدعم المالي المخصص لأصحاب المساكن المتضررة، الذي خصصت له الحكومة 2,5 مليار درهم في أكتوبر الماضي تنفيذا للتعليمات الملكية، وهو ما يتطلب من الحكومة الحرص على الوفاء بوعودها والتعجيل بتنزيل هذا البرنامج وتجنب الأخطاء التي شابت تفعيل برنامج إعادة تأهيل المناطق المتضررة من زلزال الحوز.
خامسا- الإقصاء والمس بالحقوق المكتسبة للفئات الاجتماعية الهشة التي كانت تستفيد من برامج الحماية الاجتماعية وفي مقدمتها دعم الأرامل، وراميد، وتيسير والمنح الجامعية…، وهو ما يفرض على الحكومة أن تحافظ هذه الفئات المستفيدة على الخدمات التي كانت تستفيد منها، وتبحث عن تطويرها، لا أن تحرمهم من حقوقهم المكتسبة، وأن تتحمل المسؤولية في تفعيل شعار الدولة الاجتماعية بشكل جدي عوض الاستمرار في نهج اختيارات ستقضي على الخدمات العمومية في القطاعات الاجتماعية، والتعجيل بتصحيح المسار الخاطئ والمكلف في تدبير عملية تحويل المستفيدين من نظام المساعدة الطبية “راميد” إلى نظام التأمين الإجباري عن المرض “تضامن”، كما تم توضيحه سابقا.
سادسا- تأخر الحكومة في تنزيل وعودها المتعلق في ملف التشغيل ووعد المليون منصب شغل وفي ظل ارتفاع معدلات البطالة، وتوقف برنامج “أوراش”، وبروز المآسي الاجتماعية التي خلفها برنامج “فرصة” والتحملات القانونية والأعباء المالية التي فرضها هذا البرنامج على آلاف الشباب المغربي وخصوصا الذين استكملوا كل المراحل والإجراءات ولم تسلم لهم الحكومة المنحة والتمويل الموعود بهما.
سابعا- فشل الحكومة الذريع في إنجاز مختلف وعود البرنامج الحكومي وفي تدبير الملفات الحساسة، سواء على مستوى معالجة الكارثة الوطنية المتمثلة في توقف الدارسة لشهور وبشكل غير مسبوق، أو في الاشكاليات التي طرحتها طريقة تنزيل الحكومة لورش تعميم الحماية الاجتماعية، أو في معالجة استمرار أزمة غلاء الأسعار، أو في القدرة على تحقيق معدلات النمو الموعودة، كل هذا في ظل الزيادة غير المسبوقة في عدد المقاولات المفلسة، والزيادة حجم المديونية، وعدم تحقيق وعد زيادة 2.500 درهم للأساتذة وفي تحقيق وعد مدخول كرامة للأشخاص المسنين؛ أو في القيام بالإصلاحات الكبيرة والمطلوبة من مثل إصلاح نظام المقاصة أو إصلاح أنظمة التقاعد أو إصلاح مدونة الشغل أو قانون النقابات، ويضاف لكل هذا التلاعب والاستهتار بأسس ومبادئ العمل المؤسساتي مثل التلاعب الذي شاب مباراة المحاماة والطريقة غير المسؤولة لمعالجته أو استهتار رئيس الحكومة علنا وفي جلسة دستورية بمبدأ الأجر مقابل العمل…؛
ثامنا- تحويل الحكومة لعيد الأضحى المبارك خاصة ولأزمة غلاء اللحوم عامة إلى محطة لإغناء الغني وتفقير الفقير وتهديد الأمن الغذائي، وهو ما تكرسه الحكومة من خلال دعم المستوردين عوض أن تدعم الكسَّابة أو المستهلكين مباشرة، وهو ما يؤدي إلى هدر المال العام لخدمة فئة معينة من المستوردين وأصحاب المصالح، عبر وقف رسوم الاستيراد والدعم العمومي المباشر للمستوردين والإعفاء غير القانوني من الضريبة على القيمة المضافة عند الاستيراد، دون أن يحقق ذلك أي أثر يذكر على توفير الأضاحي بالعدد الكافي والثمن المعقول وعلى أسعار اللحوم التي مازالت مرتفعة إلى الآن، فضلا عن كونها ستؤدي إلى القضاء على المنتوج والقطيع الوطني وتهدد الأمن الغذائي لبلدنا، في الوقت الذي كان من الأولى والأجدر أن تعمل الحكومة على الدعم المباشر للفلاحين والكسَّابة وتطوير القطيع الوطني، عوض هذه المقاربة الفاسدة والريعية.
تاسعا- تحويل التشريع عامة وقانون المالية خاصة للتشريع على المقاس وبشكل يعاكس أولويات السياسة الاقتصادية الوطنية وتشجيع المنتوج الوطني الفلاحي والصناعي، حيث اتخذت الحكومة حزمة من التخفيضات في الرسوم الجمركية على العديد من المواد وبنسب تخفيض كبيرة، ستؤدي إلى استبدال الإنتاج الوطني بالواردات الخارجية من النسيج والألبسة والأدوية وغيرها، وتشجع المزيد من الواردات في كل القطاعات، وذلك رغم تنبيه الحكومة المتكرر وفي حينه وبقوة من طرف الحزب إلى أن هذه السياسة وفضلا عن كونها تخدم “مصالح ضيقة” وتحوم حولها شبهات كبيرة بتضارب المصالح، في ظل صمت الحكومة ومواصلة سياستها غير مبالية بالمعارضة وبالرأي العام، فإنها ستؤدي إلى ارتفاع الواردات وفقدان موارد مالية من ميزانية الدولة وتهدد الأمن الغذائي والدوائي لبلادنا.
عاشرا- تحويل رئيس الحكومة والأغلبية الحكومية، للبرلمان وللجلسة الدستورية الشهرية المخصصة لمساءلة رئيس الحكومة حول السياسات العامة التي تهم مصالح الوطن والمواطنين والمواطنات، ولجلسة الأسئلة الأسبوعية إلى منصة لدفاع رئيس الحكومة عن مصالحه الخاصة وشركاته، ومن خلال ترتيب أسئلة آنية بصيغة موحدة من طرف أحزاب الأغلبية الحكومية واستدعاء وزراء للدفاع عن تضارب المصالح والامتيازات غير المشروعة.
حادي عشر- وأمام عجز رئيس الحكومة وحزبه وعدم قدرتهم على مواجهة تحديات الواقع السياسي وملفات التدبير الحكومي، هرب رئيس وقيادات الحزب الأغلبي إلى التنصل من مسؤوليتهم عن القرارات الحكومية الخاطئة والمكلفة، ولاسيما تلك التي تؤدي إلى هدر المال العام دون أثر يذكر على المواطنين والمواطنات، وسعيهم إلى تحميل المسؤولية لوزراء غير منتمين والضغط عليهم، مما يؤكد غياب الشجاعة والمسؤولية السياسية، كل ذلك في ظل بروز الهجومات المتبادلة ومعارك التموقع الانتخابي العلنية ومن الآن بين مكونات الأغلبية، وتصدع الأغلبية الحكومية وانشغالها عن القيام بواجبها في تدبير الشأن العام الوطني والترابي، وتنزيل البرنامج الحكومي، والوفاء بوعودها والتزاماتها، عوض التسابق المكشوف الذي أصبح يطبع خرجات مكوناتها سواء في البرلمان أو في اللقاءات الحزبية، على بعد سنتين من الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وأخيرا- كل ذلك يؤدي إلى تزايد منسوب انعدام الثقة في المؤسسات والتراجع عن الانخراط في الحياة العامة وعن الاهتمام بالسياسة وبالشأن العام، وهو تجلي طبيعي لحالة الانزياح عن المسار الديمقراطي والتي شكلت لحظة “البلوكاج” السياسي لسنة 2016 انطلاقته وبلغت لحظة انتخابات 08 شتنبر 2021 ذروته وهو ما أنتج حكومة ضعيفة ودون سند شعبي، وَوَلَّدَ شعورا عاما لدى المواطنين والمواطنات، ولاسيما في صفوف الشباب، بعدم جدوى العمل السياسي والحزبي والمشاركة السياسية والانتخابية وخلف حالة من اليأس والنفور لدى الشباب بصفة خاصة، وهو ما يتطلب الاستدراك والتصحيح والعودة إلى المسار الديمقراطي والاحتكام إلى الإرادة الشعبية الحرة عبر انتخابات حرة ونزيهة وشفافة وفي ظل منظومة وقواعد انتخابية مضبوطة ومنافسة شريفة.

خامسا- الحزب ومواصلة النضال الديمقراطي ودينامية الانطلاقة المتجددة
في خضم هذا السياق، واصل الحزب خلال سنة 2024 مساره التصاعدي كحزب مناضل اختار المعارضة الفعالة والمسؤولة للسياسات الحكومية المتبعة وما شهدته من تراجعات وانحرافات في قضايا مصيرية للدولة والمجتمع.
ألف- دينامية وفعالية صاعدة للحزب ومجموعته النيابية وهيئاته الموازية
لقد أكد الحزب فعاليته ومتابعته اليقظة لمختلف القضايا والملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية من موقعه في المعارضة المسؤولة، وإصدار بيانات توضح مواقفه بانتظام ودون تأخر، واستثمار كل الآليات الدستورية والتواصلية المتاحة، من خلال تنظيم أيام دراسية وندوات صحفية، وغيرها من الآليات للوقوف في وجه مظاهر تضارب المصالح، وتغول الأغلبية الحكومية والبرلمانية ومحاولة التحكم في أشغال البرلمان وتمرير القوانين بسرعة ودون مراعاة قواعد العمل البرلماني.
ويتعلق الأمر على وجه الخصوص بالمواضيع ومشاريع القوانين التي تهم المسطرة المدينة، والمسطرة الجنائية، والقانون التنظيمي للإضراب، وقانون المالية، وإشكالية استدامة المالية العمومية، والاختلالات والإقصاء الذي يطبع تنزيل ورش تعميم الحماية الاجتماعية، وتقييم الحصيلة المرحلية لأحزاب الأغلبية الحكومية على مستوى تدبيرها للجماعات الترابية، وغيرها من الملفات والقضايا التي تهم المواطنين والمواطنات.
وفيما يتعلق بالعمل النيابي، طبع عمل المجموعة النيابية للعدالة والتنمية الحضور القوي والجدية والمسؤولية وهو ما أنتج عطاءا متميزا في مواكبة مشاريع القوانين وتجويدها وعلى رأسها قانون المالية، ودور المجموعة في تراجع الحكومة عن قرارات سلبية من مثل التعديل الذي مس رسوم الاستيراد على العسل، وتعزيز مراقبة العمل الحكومي والدفاع عن المصالح المشروعة للمواطنين والمواطنات، ودورها في طرح قضايا كبرى كتضارب المصالح ومحاربة الفساد وغيرها.
وعلى المستوى البرلماني أيضا، رفض الحزب المشاركة في ملتمس الرقابة الذي انفرد به حزب سياسي دون أن تكون حيثياته ودوافعه الحقيقية معلنة أو مآلاته معروفة أو أن يعكس حقيقة إرادة صادقة في معارضة العمل الحكومي. كما قررت الأمانة العامة بالأغلبية ترشيح الأخ الدكتور عبد الله بووانو باسم الحزب لرئاسة مجلس النواب خلال النصف الثاني من الولاية التشريعية الحالية للتعبير بوضوح عن موقف الحزب خلال هذه العملية الانتخابية، ولتكريس استقلالية القرار الحزبي ومعارضة ولواجهة النهج التحكمي الذي يستهدف إشاعة منطق المرشح الوحيد والحزب الوحيد ويؤسس لسلوكيات وأساليب غريبة لاستمالة الأصوات بما فيها تلك المنتسبة لبعض أحزاب المعارضة.
كما شهدت السنة الماضية محطات بارزة في العمل الحزبي كتنظيم مهرجانين خطابيين وطنيين الأول حول قضية الأسرة والثاني إحياء للذِّكرى الأولى لطوفان الأقصى، وتنظيم سلسلة ندوات صحفية حول الحصيلة المرحلية للحكومة وقانون المالية ومشروع قانون المسطرة المدنية فضلا عن ندوتين الأولى حول مستجدات ملف الصحراء المغربية، والثانية حول حصيلة تجربة الحزب وآفاق عمله من تنظيم اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني التاسع للحزب، وتنظيم منظمة نساء العدالة والتنمية لمجموعة من الأنشطة النوعية، بالإضافة للندوة التي نظمتها جمعية محامون من أجل العدالة حول موضوع مشروع قانون المسطرة المدنية في الميزان الدستوري والحقوقي، واللقاء الدراسي حول الجهوية المتقدمة الذي نظمته جمعية منتخبي العدالة والتنمية ومنتدى الأطر والخبراء بالحزب، وإشراف الحزب على إنجاز دراسة خاصة بتقييم معمق للانتخابات التشريعية والجماعية لسنة 2021.
كما نظمت شبيبة العدالة والتنمية بنجاح الملتقى الوطني الثامن عشر، وهو ما قدم نموذج راق ومشرف لشبيبة حزبية مناضلة وصامدة مهتمة بقضايا وطنها وأمتها، وبالعمل بجد على تأطير وتكوين الشباب بالعلم النافع وبالأنشطة السياسية والثقافية والاجتماعية الهادفة، وهو النجاح الذي كان ثمرة مجهود وعزيمة كبيرة لأبناء وبنات الشبيبة رغم كل المحاولات اليائسة للتأثير على تنظيم هذه الملتقى.
باء- الإعداد الجيد والمسؤول والواعد للمؤتمر الوطني التاسع للحزب
وقد تميزت السنة الماضية بالعمل الجاد والمسؤول للجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني التاسع للحزب، والذي اتسم بالتشاركية مركزيا وجهويا، من خلال تنظيم لقاءات دراسية وطنية وندوات جهوية وندوة خارجية حول مختلف أوراق المؤتمر، بما مكن من الإعداد الجيد للأوراق المقررة سواء تلك المتعلقة بالمساطر المرتبطة بالمؤتمر، والتعديلات المقترحة على النظام الأساسي للحزب، والبرنامج العام للحزب “الورقة المذهبية” وأولويات الحزب للمرحلة اللاحقة “الأطروحة السياسية”، وذلك عبر عملية تشاركية وتداولية واسعة انخرط فيها الحزب وتعبأ فيها لإنجاح هذا الاستحقاق السياسي والتنظيمي الهام، وهو ما توج بعرض مساطر وأوراق المؤتمر التي أعدتها اللجنة التحضيرية على الأمانة العامة، ثم على اللجان الدائمة للمجلس الوطني. ويمثل المجلس اليوم محطة مهمة قبل تتويج هذا المسار بعون الله وحسن توفيقه في المؤتمر الوطني الذي سينعقد بحول الله يومي 26 و27 أبريل من هذه السنة. وهي مناسبة لتثمين الأجواء الإيجابية التي طبعت أشغال للجنة التحضيرية وعمل اللجن الفرعية وتقدير جهود كافة أعضائها.
جيم- ورش الانتخابات المقبلة والنضال لمواجهة الإفساد الانتخابي
لقد أبانت مشاركة الحزب في الاستحقاقات الانتخابية الجزئية بكل من عمالة فاس وإقليم بنسليمان عن جاهزية ونضالية مقدرتين، إلا أن هذه الاستحقاقات وإن كانت جزئية فهي تعكس ما نبه له الحزب وباستمرار من خطورة إبعاد الناس عن السياسة ودفعهم لعدم الاهتمام بالشأن العام وتأثير ذلك على الثقة في المؤسسات وفي قدرتها على اضطلاعها بأدوارها، وهو ما يبرزه العزوف الكبير للمواطنين والمواطنات خلال كل الاستحقاقات الجزئية، هذا العزوف الذي تحاول قوى الفساد والإفساد بالتغطية عليه واستغلاله عبر الاستعمال الكثيف للمال وشراء الذمم وكل الممارسات الأخرى المنافية للقانون والتي تمس بنزاهة وسلامة العمليات الانتخابية، مما يطرح مسؤولية حماية الدولة لمشاركة المواطنين عبر الحياد الإيجابي من خلال التصدي الاستباقي والحازم لكل الممارسات المنافية للقانون والماسة بسلامة ونزاهة العملية الانتخابية.
وفي إطار الإعداد المبكر المطلوب للانتخابات المقبلة فقد انخرط الحزب عبر سلسلة إجراءات تمثلت في:
تقييم شامل للانتخابات التشريعية والجماعية لسنة 2021 عبر إنجاز دراسة مفصلة وهو ما تم الانتهاء منه، وستتيح استخراج مقترحات الحزب للإصلاح المطلوب للمنظومة الانتخابية قانونيا وسياسيا وتدبيريا.
تكوين لجنة مركزية خاصة بالانتخابات.
إطلاق ورش الإعداد للبرنامج الانتخابي للحزب بدعم من منتدى الخبراء والأطر.

وختاما
ومع هذا الأداء المتميز خلال سنة 2024، فإن سنة 2025 هي الأخرى سنة واعدة بحول الله بأوراش كبرى بالنسبة لحزبنا، من حيث مواصلة عمله ونضاله للدفاع عن قضايا وطننا وأمتنا، ومن موقعه في المعارضة لمواجهة العجز الحكومي وتضارب المصالح، وكذا من جهة تحضيره لإنجاح محطة المؤتمر الوطني التاسع لحزبنا المقرر أيام 26-27 أبريل المقبل بإذن الله تعالى، ومن جهة الإعداد الجيد لورش الانتخابات التشريعية لسنة 2026 وما تقتضيه من تعبئة وتحضير سياسي وقانوني وإعلامي وبرنامجي ومالي فضلا عن اختيار المرشحين والمرشحات، دفاعا عن المسار الديمقراطي لبلادنا وعن احترام الإرادة الشعبية.
لذا، فإن هذه الدورة العادية للمجلس الوطني للحزب، وباعتبارها آخر دورة عادية قبل المؤتمر الوطني للحزب، تشكل بحول الله وعونه محطة أساسية في الانتقال إلى مرحلة جديدة من تاريخ حزبنا، ولهذا نتوجه إلى العلي القدير أن يوفقنا ويلهمنا السداد في القول والعمل ويبارك في جهود كافة الإخوة والأخوات.
“وَالذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اَللَّهَ لَمَعَ اَلْمُحْسِنِينَ” (العنكبوت : الآية 69).

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    Translate »