تتعدد دوافع هجرة البلد، ومهما تنوعت ففي فعل الهجرة لوعة الفراق، وذكريات تلازم المهاجر تطرق قلبه كل حين، لتفتح عليه آهات الأمكنة التي تحدثه بأنه ترك حقائب أشجانه هناك، حيث خطا خطوات، وآجتمع بأصدقاء، ولعب في زقاق، وآستند إلى شجرة تظله من حر شمس لطالما آشتاق إليها، بعد أن جرب لهيب شمس الهجرة الذي لا تظله مظلات، ولا تحجبه عن سماء الشوق غيوم البعاد، رغم آشتداد الأنات.
وفي قساوة الهجرة شباب يافع هجر الأوطان، يبحث عن سقف علمي قد رسمه في الأحلام، لتتحرك نحو الضفة الأخرى فتيات وفتيان، أرادوا نيل شهادات جامعية بغية حرث الإنجاز على أرض صلبة قاسية مستعصية، حيث يصل الطالب إلى بلد المهجر وحاله كمن قذف به في الماء، وطلب منه ألا يبتل.
رغم الواقع الحالك، إلا أن الأزمة عودتنا أن ينبجس من ثناياها الأمل، وفي هذا الصدد، نمت فكرة كأنها زهرة تلفها رياح الخريف، تريد أن ترديها أوراقا متناثرة، لكن الفكرة صمدت و أبدلت الخريف ربيعا، وهذا حال عمل قامت به الأستاذة والصحفية والناشطة الجمعوية نزيهة الظاهري رفقة زوجها البنكي الرمضاني محمد، حيث أسسا عبر العالم الافتراضي عملا آجتماعيا رائقا، صب آهتمامه على خدمة الطلبة المغاربة في بلجيكا بداية، لتعم الفكرة باقي أرجاء هذا العالم الفسيح، حيث تنوع هذا العمل الاجتماعي بين مساعدات مادية وأخرى عينية، إضافة إلى البحث عن العمل لصالح الطلبة، وكذا تيسيير الحصول على كراء مقر السكنى، إضافة إلى النصح والتوضيح والإرشاد لمن وطئت أرجلهم الأرض الأوروبية أول مرة وتاهت بهم السبل.
وحظيت هذه التجربة الفتية بترحيب من المجتمع المدني هناك، خصوصا وأن الواقع يشهد فراغا في خدمة الطلبة المغاربة وتأطيرهم، ولقد سجل هذا العمل الجمعوي معاناة الطلبة المتمثلة في آنعدام المنح، والتكلفة الباهضة لكراء السكن، وأداء رسوم الدراسة، إضافة إلى غياب الدعم الرسمي من السلطات البلجيكية، ومن حسنات هذا العمل أنه عمل قريب جدا من حياة الطلبة، ذلك أن الأستاذة نزيهة الطاهري ما فتئت تتنقل بين صفوفهم تستمع لمعاناتهم، وتنسج خيوط الحلول بما أوتيت من قوة، لتلمس مدى شدة الشدة، وقتامة الوضع الصعب الذي يلف حياة الطلبة الجامعيين، الذي حدا ببعضهم إلى آفتراش الأرض، ولم يشفع له في ذلك تخصصه الدقيق والرفيع، وآستحقت بذلك الأستاذة نزهة لقب أم الطلبة.
إن الطالب المهاجر ليس مهاجرا عاديا، إنه هوية صلبة بحكم تكوينه القبلي في المغرب، يجعله عصيا عن الانصهار والطمس، إنه بذرة سائرة نحو النمو لو أنها سقيت بماء العطف والعناية، لتزهر في ربيع التألق، ولينال الثمار وقت الحصاد بلدهم الأصل، حين يؤولون أوراقا معرفية في شجرة العلم الشامخة، يمتهنون تخصصات دقيقة، ويجوبون العالم معرفين بوطنهم الأم المغرب ومنافحين عنه.
ذ طارق مرحوم











عذراً التعليقات مغلقة