أورو مغرب – الصباح
يحتفظ إقليم الناظور بلؤلئه، بعيدا عن أعين المتلصصين، مثل محارة نادرة، لكنه يكشف لكل الباحثين عن تفرده عبر مر التاريخ، إذ يضم العديد من الآثار التاريخية التي تؤرخ لمختلف الحقب التي عرفتها المنطقة، بعضها لم تسلط عليه الأضواء الكافية سواء على مستوى التعريف أو التصنيف أو الدراسة، ما جعل عددا من المهتمين يدعون إلى حماية التراث الأثري، خاصة البنايات الكولونيالية، التي يعود تاريخ بنائها إلى المرحلة الاستعمارية الممتدة بين 1912 و1956.
توجد في إقليم الناظور مجموعة من الثكنات العسكرية بمختلف المناطق، وأشهرها الثكنة العسكرية، الواقعة قرب المحطة الطرقية وسط المدينة المعروفة ب”الريكولاريس 2″، بالإضافة إلى ثكنات أخرى، مثل “الريكولاريس5″ بأزغنغان و”الريكولاريس7” ببني شيكر، وغيرها من الثكنات العسكرية.
وحسب الباحث يزيد الدريوش، فإن ثكنة أزغنغان تعد من أهم المعالم التاريخية بإقليم الناظور، إذ وسمت تاريخ منطقة الريف خلال فترة الاستعمار الإسباني، وكان لها دور عسكري إستراتيجي مكن من بسط النفوذ الإسباني على المنطقة.
وما زالت الثكنة بجدرانها المهترئة، التي انهار بعضها، وبناياتها الكولونيالية التاريخية صامدة في وجه الزمن بعد مرور أزيد من قرن على تشييدها.
وتضم الثكنة حاليا في محيطها، الذي يمتد على مساحة شاسعة من أزغنغان، عشرات من عائلات الجنود المتقاعدين، الذين يواجهون منذ مدة قرار الإفراغ من قبل السلطات.
وحسب الباحث نفسه، فقد شيدت ثكنة أزغنغان مباشرة بعد إخماد ثورة الشريف محمد أمزيان في 1912 لخدمة الأغراض العسكرية للاستعمار الإسباني بمنطقة الريف، وعرفت الثكنة باسم “ريكولاريس رقم 5”. كما تعد، حسب معطيات تاريخية، ثاني أكبر ثكنة في شمال المغرب بعد ثكنة العرائش.
ويقول الدريوش إن “الاستعمار الإسباني اختار تشييد ثكنة أزغنغان في موقع إستراتيجي مهم على مستوى إقليم الناظور ككل. لذلك حظيت هذه الثكنة بأهمية خاصة، وكانت لها الهيمنة التامة على أكبر تجمع عسكري في عهد الاحتلال الإسباني”، مضيفا أنها واحدة من أهم الموروثات المادية التي ما زالت صامدة إلى حد الآن، رغم ما تعانيه من تهميش ونسيان، وتكمن أهميتها في أنها تؤرخ لمرحلة مهمة من تاريخ الريف والإسبان كذلك.
وتحتفظ ثكنة أزغنغان بواقعة فريدة في تاريخها، فقد تجاوز دورها الجوهري بسط الهيمنة الإسبانية على منطقة الريف إلى خدمة أغراض سياسية خارج المنطقة، وبالضبط في الدولة الإسبانية، إذ كانت معقلا عسكريا قويا يعتمد عليه. لذلك، وحسب ما أوردته الكاتبة الإسبانية ماريا روسا في كتابها “مغاربة في خدمة فرانكو”، كانت أول ثكنة عسكرية تستجيب لنداء التمرد، الذي أعلنه الجنرال فرانكو على الحكومة الاشتراكية بمدريد بتاريخ 18 أبريل 1936″، إذ احتفظت الذاكرة التاريخية بواقعة أن الثورة الأهلية انطلقت، عسكريا، من ثكنة أزغنغان، وكان انطلاق الشرارة الأولى لهذه الثورة على يد الكولونيل محمد أمزيان بلقاسم الزهراوي الذي يعتبر الذراع اليمنى للجنرال فرانكو.
وبعد حصول المغرب على الاستقلال، مرت ثكنة أزغنغان بأحداث تاريخية متميزة. ويذكر الدريوش، استنادا إلى كتاب “الجزائريون في المغرب” لمحمد أمطاط، أن كثيرا من أعضاء جيش التحرير الجزائري استقروا بالثكنة”. ويضيف قائلا: “من داخل ثكنة أزغنغان كانت خطط لهجومات داخل التراب الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي، وكانت الثكنة تعد الجنود ممن تراهم قادرين على المشاركة في حرب العصابات ضد الاحتلال، كما قدمت بعد ذلك خدمات جليلة للثورة الجزائرية”، إضافة إلى أن تجريدة عسكرية تخرجت من ثكنة أزغنغان شاركت في الحرب العربية الإسرائيلية في 1973، وكان من مهامها المشاركة في تحرير الجولان. وقاتلت هذه التجريدة العسكرية في الحرب بشجاعة وإقدام إلى أن حوصرت وأُجبرت على الاستسلام.













عذراً التعليقات مغلقة