اورو مغرب اعداد: محمد الحدوشي
أثار موضوع واجبات التسجيل بالتكوين الأساسي وفق صيغة التوقيت الميسر بالجامعات المغربية نقاشاً واسعاً، خصوصاً بعد تداول معطيات بشأن الرسوم المقررة لفائدة الموظفين والمستخدمين والأجراء الراغبين في متابعة دراستهم بأسلاك الإجازة والماستر والدكتوراه.
وبين من اعتبر الأمر بداية للتراجع عن مجانية التعليم العالي العمومي، ومن رأى فيه تنظيماً جديداً لفئة خاصة من الطلبة تجمع بين العمل والدراسة، خرج منتدى رؤساء الجامعات، بتاريخ 7 غشت 2026، ببلاغ توضيحي حاول من خلاله وضع النقاش في إطاره القانوني والبيداغوجي، والتأكيد على أن الأمر لا يتعلق بإلغاء مجانية التعليم الجامعي.
المجانية مستمرة.. والتوقيت الميسر مسار مختلف
أولى النقاط التي حسم فيها منتدى رؤساء الجامعات هي أن التكوين بالتوقيت العادي لفائدة الطلبة يظل مجانياً، وأن التوقيت الميسر لا يحل محله ولا يلغي مجانية الدراسة بالجامعة العمومية.
فالطالب الذي يلج الجامعة في إطار مساره الدراسي العادي ويواصل تكوينه وفق التوقيت الجامعي المعتاد، لا يعنيه هذا النظام الجديد بالطريقة نفسها.
أما التوقيت الميسر، فهو موجه أساساً إلى فئة توجد في وضع مختلف: الموظفون والمستخدمون والأجراء والمهنيون الذين اندمجوا في سوق الشغل ويرغبون في العودة إلى الجامعة واستكمال دراستهم بالتوازي مع التزاماتهم المهنية.
وهنا يظهر جوهر الإشكال: كيف يمكن لشخص أن يكون موظفاً وطالباً في الوقت نفسه إذا كانت ساعات الدراسة تتزامن مع ساعات العمل؟
فالموظف مطالب بالحضور إلى مقر عمله خلال التوقيت الإداري، والأجير ملزم بالتزاماته تجاه مشغله، وفي المقابل فإن الدراسة الجامعية الجدية تقتضي الحضور والتأطير والتقييم والمشاركة في الأنشطة البيداغوجية والعلمية.
إذا كانت المحاضرة تبدأ في العاشرة صباحاً، وكان الموظف مطالباً في الساعة نفسها بأن يكون في مقر عمله، فهناك ببساطة مكانان وشخص واحد.
ومن هنا تأتي فلسفة التوقيت الميسر: العمل في وقته، والدراسة في وقت آخر.
من التكوين المستمر إلى التوقيت الميسر
ولفهم أهمية هذا التحول، ينبغي العودة إلى الوضع الذي كان قائماً بالنسبة إلى العديد من الموظفين والأجراء الراغبين في استكمال دراستهم.
فقد لجأت الجامعات، خلال السنوات الماضية، إلى عروض التكوين المستمر التي كانت تتيح الدراسة في أوقات أكثر ملاءمة للمهنيين، مقابل أداء رسوم.
غير أن الإشكال لم يكن دائماً في الدراسة أو في الرسوم، وإنما كان يظهر أحياناً بعد الحصول على الشهادة، عند محاولة ترتيب آثار أكاديمية أو مهنية عليها.
فليس كل دبلوم صادر عن جامعة عمومية شهادة وطنية بمجرد حمله اسم الجامعة وشعارها، وهو ما كان يخلق لدى بعض المستفيدين التباساً بين شهادات التكوين المستمر والشهادات الوطنية.
وقد يدرس الشخص لسنوات ويؤدي واجبات التسجيل ويجتاز الامتحانات ويحصل على شهادة صادرة عن جامعة عمومية، ثم يكتشف عند محاولة متابعة الدراسة أو المشاركة في بعض المباريات أو ترتيب أثر مهني أن طبيعة الشهادة وآثارها القانونية تختلف عن الدبلوم الوطني.
ومن هنا يمكن اختصار إحدى مفارقات النظام السابق في مسار شديد الدلالة:
التسجيل، ثم الأداء، ثم الدراسة، ثم الامتحان، ثم التخرج… وبعد ذلك يبدأ السؤال: ماذا تخول لي هذه الشهادة؟
الموظف كان يؤدي أصلاً
لذلك، فإن تقديم التوقيت الميسر كما لو أنه اللحظة التي ظهر فيها الأداء لأول مرة داخل الجامعة بالنسبة إلى المهنيين لا يعكس الصورة كاملة.
فعدد من الموظفين والمستخدمين والأجراء كانوا يؤدون أصلاً مقابل التكوين المستمر، بل كانت بعض عروضه تتطلب مبالغ مالية مهمة.
ومن ثم، فإن السؤال الذي يستحق النقاش ليس فقط:
لماذا يؤدي الموظف؟
بل ينبغي أن يطرح إلى جانبه سؤال أكثر أهمية:
ماذا يحصل عليه الموظف مقابل ما يؤديه؟
وهنا تكمن إحدى أهم التحولات التي جاء بها القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، من خلال تأطير التكوين الأساسي وفق صيغة التوقيت الميسر، بما يسمح بالتوفيق بين الالتزامات المهنية ومتطلبات الدراسة الجامعية وفق الشروط القانونية والبيداغوجية المعتمدة.
وبهذا المعنى، فالفلسفة الجديدة لا تقوم فقط على الأداء، وإنما على إعادة تنظيم العلاقة بين العمل والدراسة وطبيعة التكوين والشهادة المحصل عليها.
رسوم التوقيت الميسر ليست «ثمناً للشهادة»
وفي هذا السياق، ينبغي التأكيد على نقطة أساسية: أداء واجبات التسجيل لا يعني شراء الدبلوم.
فالجامعة التي تنظم الدراسة خارج توقيتها العادي، مساء أو خلال أوقات تتلاءم مع المهنيين، تحتاج إلى تعبئة الأساتذة الباحثين والأطر الإدارية والتقنية، وتشغيل القاعات والمختبرات والتجهيزات، وتنظيم الامتحانات والتأطير والخدمات الجامعية المرتبطة بهذا التكوين.
وبحسب منتدى رؤساء الجامعات، فإن واجبات التسجيل في سلك الإجازة لم تعرف تغييراً مقارنة بالمبالغ المعمول بها خلال السنوات السابقة، بينما جرى تخفيض واجبات التسجيل في سلك الماستر بهدف تيسير استفادة الموظفين والأجراء من هذه التكوينات.
كما شدد المنتدى على ضرورة مراعاة الوضعية الاجتماعية للموظفين والأجراء، من خلال تسهيلات في أداء واجبات التسجيل والأخذ بعين الاعتبار بعض الحالات الاجتماعية، مع الإشارة إلى إعفاء فئات وفق المعايير المعتمدة.
الدكتوراه.. لماذا تختلف؟
أما سلك الدكتوراه، فله خصوصية أكبر، لأنه لا يقوم فقط على حضور المحاضرات واجتياز الامتحانات، وإنما يرتكز أساساً على البحث العلمي والتأطير والمواكبة وإعداد الأطروحة ومناقشتها.
وهو ما يتطلب، بحسب بلاغ منتدى رؤساء الجامعات، تعبئة الأساتذة الباحثين والأطر الإدارية والتقنية ومختبرات البحث ومرافق الجامعة وتجهيزاتها.
وأشار المنتدى إلى أن المداخيل المتأتية في هذا الإطار يجري توزيعها، وفق التشريع الجاري به العمل، بين التسيير أو الاستثمار من جهة، ودعم البحث العلمي وتعويض الأساتذة الباحثين عن عمليات التتبع والتأطير والمواكبة ومناقشة الأطروحات من جهة أخرى.
لكن هذا الجانب يفتح بدوره نقاشاً يستحق التفكير: هل يجب أن يتحمل الباحث الموظف دائماً تكلفة تكوينه أو بحثه بمفرده؟
فقد تكون أطروحة الدكتوراه التي ينجزها موظف أو إطار مرتبطة بمشكلة حقيقية تواجه الإدارة أو المؤسسة أو المقاولة التي يعمل بها، وقد تتحول نتائج البحث إلى قيمة مضافة للمؤسسة نفسها.
ومن ثم، فإن تطوير التكوين مدى الحياة يمكن أن يفتح مستقبلاً المجال، وفق الأطر القانونية والمالية الممكنة، أمام مساهمة المؤسسات والمقاولات في تمويل بعض مشاريع البحث التي تستجيب لحاجاتها، حتى تصبح الدكتوراه أيضاً استثماراً في البحث والتطوير وليس مجرد مشروع فردي للموظف.
مرونة في الساعة.. لا في قيمة الشهادة
غير أن نجاح تجربة التوقيت الميسر سيظل رهيناً بشرط أساسي: ألا تتحول المرونة الزمنية إلى مرونة أكاديمية.
فإذا كانت الدولة والجامعة ستمنحان في نهاية المسار شهادة وطنية، فيجب أن تبقى شروط الحصول عليها محكومة بالصرامة العلمية والبيداغوجية نفسها.
الحضور، والحجم الزمني، والتأطير، والامتحانات، والبحوث، والتقييم، وشروط النجاح، كلها عناصر ينبغي الحفاظ عليها.
لأن التوقيت الميسر يعني أن الجامعة غيرت الساعة التي تبدأ فيها المحاضرة، وليس قيمة الدبلوم الذي تمنحه.
وهذه النقطة أساسية لحماية مصداقية الجامعة والشهادة الوطنية معاً.
الوظيفة لا ينبغي أن تكون نهاية العلاقة بالجامعة
من جهة أخرى، يقوم نظام التوقيت الميسر على فلسفة أوسع هي التكوين مدى الحياة.
فالحصول على وظيفة لا ينبغي أن يكون بمثابة «شهادة وفاة أكاديمية» تنهي علاقة الإنسان بالجامعة.
المعارف تتطور، والمهن تتغير، وسوق الشغل نفسه أصبح يفرض على الأفراد تحديث مهاراتهم ومعارفهم باستمرار.
وقد يعود القانوني إلى الجامعة بعد سنوات لدراسة مجال جديد، وقد يحتاج إطار في الاقتصاد أو الإدارة إلى تطوير معارفه في الرقمنة أو المالية أو التدبير، وقد يرغب حامل الإجازة في الحصول على الماستر، أو حامل الماستر في إنجاز الدكتوراه بعد سنوات من الخبرة المهنية.
بل إن المهني قد يعود إلى الجامعة بأسئلة أكثر عمقاً من تلك التي كان يطرحها في بداية مساره، لأنه يحمل معه تجربة ميدانية ومشكلات واقعية اكتسبها من الممارسة.
فما الذي تغير فعلاً؟
يمكن تلخيص الإشكال السابق في خيارين كانا يواجهان المهني الراغب في استكمال دراسته:
إما الالتحاق بتكوين جامعي في التوقيت العادي، بما قد يخلق تعارضاً بين ساعات العمل وساعات الدراسة، وإما اللجوء إلى تكوين مستمر مؤدى عنه وملائم زمنياً، لكن بشهادة تختلف في طبيعتها وآثارها عن الشهادة الوطنية.
في الحالة الأولى كانت المشكلة في التوقيت، وفي الثانية كانت المشكلة في طبيعة الشهادة.
أما التوقيت الميسر، فيسعى إلى الجمع بين عناصر كانت متفرقة: توقيت يتلاءم مع العمل، وتكوين جامعي منظم، ومسار أكاديمي واضح، مع أداء واجبات مرتبطة بخصوصية تنظيم هذا النوع من التكوين.
لذلك، فإن اختزال النقاش في عبارة «فرض رسوم على التعليم الجامعي» قد يحجب جانباً مهماً من الصورة.
فالمجانية، بحسب التوضيحات الرسمية، ما تزال قائمة بالنسبة إلى التكوين الأساسي بالتوقيت العادي، بينما يتعلق النقاش بفئة مهنية تريد العودة إلى الجامعة دون التخلي عن عملها.
والتحدي الحقيقي اليوم ليس فقط في الدفاع عن التوقيت الميسر أو الاعتراض على رسومه، وإنما في ضمان شفافية تحديد هذه الرسوم، ومراعاة الوضع الاجتماعي للمستفيدين، وتوحيد المعايير قدر الإمكان، وضمان جودة التكوين، والحفاظ على القيمة العلمية للشهادة الوطنية.
فإذا تحقق ذلك، يمكن للتوقيت الميسر أن يتحول من موضوع للجدل إلى فرصة حقيقية لإعادة فتح أبواب الجامعة أمام آلاف الموظفين والأجراء والمهنيين الذين لم تنته رغبتهم في التعلم بمجرد دخولهم سوق الشغل.
ويبقى المبدأ الذي ينبغي ألا يضيع وسط هذا النقاش واضحاً:
التوقيت الميسر يجب أن يعني مرونة في زمن الدراسة، لا مرونة في شروط النجاح؛ ومساهمة في تكلفة تنظيم خاص للتكوين، لا شراءً للشهادة.













عذراً التعليقات مغلقة