اورو مغرب منير حموتي
لا شك أن ساكنة مدينة وجدة ما زالت تتذكر واحة سيدي يحيى، بمياه واديها العذبة، وخضرة أشجارها، ونخيلها الباسق، وكذا أشجار البطم التي كانت تنتشر فيها بكثافة. كما يتذكر أهل وجدة العصر الذهبي الذي عاشته هذه الواحة، حين كانت وجهة مفضلة للساكنة والزوار على حد سواء، للاستمتاع بجمالها ورونقها، وللتخييم على ضفاف واديها هروبا من روتين المدينة وضجيجها.
وبمجرد سماعي لكلمة واحة سيدي يحيى، تعود بي الذاكرة إلى أيام الطفولة،حين كنا نغادر المدينة مشيا على الأقدام في اتجاهها، قاطعين مسافة تقارب خمسة كيلومترات، وسط الأشجار والبساتين التي كانت تمد مدينتنا بالخضر والفواكه. كنا نعبر طريق ( طايرت ) في اتجاه طريق سيدي بوقنادل، وصولًا إلى الواحة.
هناك، كنا نشارك أمهاتنا وهن يقمن بغسل الصوف، أو ما كان يُعرف بـ الودحة أو صوف الزّجّة ، أي الصوف المأخوذ من الأكباش. فقد كانت الواحة بمثابة مخيم كبير يجمع العديد من الأسر الوجدية، التي كانت تقصدها خصيصا لغسل الصوف، نظرا لحاجتها إلى كميات كبيرة من المياه، في وقت لم تكن فيه المنازل تتوفر على شبكة الماء الصالح للشرب كما هو الحال اليوم، بل كانت تعتمد فقط على الآبار.
وكانت العروس الوجدية تُجهز آنذاك بالصوف ومشتقاته، مثل الطلميطة والبورابح والزربية وغيرها. وكانت المياه متدفقة في الوادي، حيث كنا نسبح ونلهو، بينما كان الكبار يسبحون في أماكن أعمق تعرف بـ ( الكاري ).
لقد كانت واحة سيدي يحيى جنةً حقيقية، وما زلنا نحنّ كثيرا إلى تلك الأيام الجميلة. غير أن وجه الواحة تغير مع مرور الزمن خاصة بعد انقطاع المياه التي كانت تصل عبر السواقي إلى مختلف البساتين، ممتدة لأكثر من خمسة كيلومترات، ويُحكى أنها كانت تصل حتى إلى حمام البالي بالمدينة العتيقة.
لكن، ويا للأسف، بين الماضي والحاضر، أصبحت هذه الواحة في طي النسيان، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الفضاءات الطبيعية داخل المدن، تعيش واحة سيدي يحيى، القريبة من وجدة، وضعا يهدد مستقبلها، رغم ما تزخر به من مؤهلات بيئية وسياحية تجعلها واحدة من أبرز المعالم الطبيعية والتراثية التي تجمع بين سحر الطبيعة وعمق التاري، ورغم ما تزخر به هذه الواحة من مؤهلات سياحية وبيئية، فإنها تواجه اليوم وضعا مقلقا بسبب الإهمال والتدهور ما يجعلها نموذجا لمواقع مهددة بالاندثار.
تتميز الواحة بغطائها النباتي الغني حيث تنتشر أشجار النخيل بكثافة، إلى جانب تنوع بيئي يمنح المكان طابعا هادئًا وجذابا. وقد شكلت على مر السنين متنفسا طبيعيا لسكان المدينة ووجهة مفضلة لافراد الجالية المقيمة بالخارج وللزوار الباحثين عن الاسترخاء بعيدا عن صخب الحياة اليومية.
كما أن موقعها القريب من وجدة يؤهلها لتكون قطبا واعدًا للسياحة البيئية، خاصة مع إمكانية تطوير أنشطة مثل المشي في الطبيعة واستكشاف التنوع البيولوجي ، ولا تقتصر أهمية الواحة على بعدها الطبيعي، بل تمتد إلى بعدها الديني والتاريخي، إذ تحتضن ضريح الولي الصالح سيدي يحيى، الذي يمنح المكان قيمة روحية خاصة، ويجذب الزوار من مختلف المناطق.
وقد شكل هذا الموقع عبر الزمن، فضاءً للتجمعات الاجتماعية والدينية، ما يعكس مكانته الراسخة في الذاكرة الجماعية لساكنة المدينة.
في المقابل تعاني واحة سيدي يحيى من عدة اختلالات بيئية وتنظيمية، من بينها التوسع العمراني غير المنظم، وتراجع الصيانة، ونقص الموارد المائية، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على الغطاء النباتي.
كما تعرف الواحة انتشار النفايات، وضعف الإنارة العمومية، إلى جانب بعض مظاهر العشوائية المرتبطة بالأنشطة التجارية والترفيهية عشوائية ألعاب الأطفال داخل الواحة، ما يقلل من جاذبيتها كوجهة سياحية.
وأمام هذا الوضع، تبرز الحاجة إلى تدخل عاجل من الجهات المعنية، من خلال وضع خطة شاملة لإعادة تأهيل الواحة، تشمل تحسين البنية التحتية، وإعادة تدفق المياه، وتنظيم الأنشطة داخلها، محاربة كل أنواع الفوضى واحتلال الملك العمومي وتعزيز الأمن، إضافة إلى إطلاق حملات توعية بيئية للحفاظ على هذا الفضاء الطبيعي.
كما أن الواحة في حاجة ماسة إلى إعداد دراسة شاملة، من خلالها إنجاز مشروع لتهيئتها بشكل عصري يحترم خصوصيتها البيئية، إلى جانب تفعيل مشاريع سياحية مرافقة، مثل إنشاء مطاعم ومقاهي منظمة، وتنظيم المحلات التي سُلمت لأصحابها لبيع الهدايا والمنتجات الصناعة التقليدية، والتي أصبحت في بعض الحالات مقاهي وفضاءات مخصصة لألعاب الأطفال، إضافة إلى نادٍ رياضي وثقافي يساهم في إضفاء بعد تنموي وثقافي.
ومن شأن إعادة الاعتبار لهذه الواحة عبر هذه المشاريع أن ينعكس إيجابا على شباب المنطقة، من خلال خلق دينامية اقتصادية جديدة، وتوفير مناصب شغل، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وهو ما يعزز دور الواحة كرافعة للتنمية المحلية.
تبقى واحة سيدي يحيى أكثر من مجرد فضاء طبيعي؛ فهي جزء من هوية المنطقة وذاكرتها وبين ما تملكه من مؤهلات سياحية واعدة وما تعيشه من إهمال واضح، يظل مستقبلها رهينا بمدى الوعي بأهميتها والتحرك الجاد لإنقاذها، ويبقى الأمل قائما في أن تتظافر جهود الغيورين على المنطقة من أجل إعادة الحياة إلى هذه الجوهرة الطبيعية بجهة الشرق .



























































































































عذراً التعليقات مغلقة