على صخور السعيدية… الذاكرة تواجه حدود الموت ودموع العائلات ترفض النسيان

اورو مغرب8 فبراير 2026آخر تحديث :
على صخور السعيدية… الذاكرة تواجه حدود الموت ودموع العائلات ترفض النسيان

اورو مغرب منير حموتي

تخليدا لذكرى 06 فبراير، اليوم العالمي للتضامن مع ضحايا الحدود والمفقودين في مسارات الهجرة، وتحت شعار:””الحدود تقتل… كل حياة تساوي أكثر من قوانينهم وجدرانهم وأسلحتهم… افتحوا الحدود!””، احتضنت مدينة وجدة أيام 5 و6 و7 فبراير 2026 سلسلة من الأنشطة التحسيسية والترافعية، شملت ندوة صحفية وندوة عمومية حول موضوع “الهجرة والحدود”، إلى جانب لقاءات تواصلية تعبئة وشهادات إنسانية، فضلا عن أنشطة أدبية وثقافية الهدف منها هو إبقاء الذاكرة حية، والدفاع عن الحق في الحياة والكرامة، ومساءلة السياسات الحدودية التي تحصد أرواح الآلاف.
زوال يوم السبت 7 فبراير، وعلى خطّ الحدود البحرية بمنطقة الصخور Les Rochers بشاطئ السعيدية، احتشد أهالي المفقودين وأعضاء جمعيات حقوقية وطنية ودولية في وقفة رمزية مؤثرة، تخليدا لليوم العالمي لـ CommemorAction، حيث اختلط صمت البحر بدموع العائلات، وصور الشباب المفقودين بورود أُلقيت في الماء كرمز للأمل في عودة الغائبين، أو على الأقل لمعرفة الحقيقة.
الوقفة، التي نظمتها الجمعية المغربية لمساعدة المهاجرين في وضعية صعبة بوجدة، تحولت إلى لحظة ذاكرة واحتجاج في آن واحد. فقد ألقى رئيس الجمعية حسن العماري نداء CommemorAction، الذي يُخلد سنويا في 6 فبراير، داعيا إلى مواجهة ما وصفه بـ“نظام الموت على الحدود”، والمطالبة بالحقيقة والعدالة والتعويض لضحايا الهجرة القاتلة وعائلاتهم، وكذا لضحايا السياسات العنصرية التي تحوّل الحدود إلى فضاءات للعنف والإفلات من المحاسبة.
واستحضر النداء مأساة “تاراخال” سنة 2014، حين فقد العشرات من المهاجرين حياتهم أو اختفوا أثناء محاولتهم الوصول إلى سبتة، نتيجة العنف الحدودي والتواطؤ الرسمي، مع ترحيل الناجين قسرا. كما شدد على أن CommemorAction ليست مجرد إحياء للذكرى، بل فعل مقاومة ضد النسيان والتطبيع مع الموت والاختفاءات القسرية الناتجة عن سياسات المراقبة والقمع.
وأكد المتدخلون أن هذا المسار يكتسي بعدا جديدا من خلال توحيد نضال عائلات المفقودين على طرق الهجرة مع نضال عائلات ضحايا العنف البوليسي والسجني، في تأكيد واضح على ترابط النضالات ضد عنف الدولة بكل أشكاله، ورفض منطق التمييز بين الأرواح. كما جدد النداء المطالبة بحرية التنقل والاستقرار، والمساواة في الحقوق، ووقف تجريم المهاجرين والفئات الهشة، وتعزيز التضامن من المحلي إلى الدولي، مع دعوة مفتوحة لتنظيم فعاليات مماثلة عبر العالم.
ومن بين اللحظات الأكثر تأثيرا في الوقفة، شهادة إيمان البستاوي، التي حضرت كأخت لمفقود، وروت بألم بالغ حكاية غياب شقيقها محمد في نص مؤثر عنونته بـ “بين الموج والغياب”. مرثية إنسانية لشاب غاب منذ أربع سنوات في رحلة بحث عن الكرامة، انطلقت من الداخلة نحو لاس بالماس. رحلة سبقتها محطات قاسية، من ليبيا إلى الدار البيضاء، حيث أُعيد قسرا خلال جائحة كورونا بعد تسريحه رفقة عدد من الشباب. تحكي إيمان، والدموع تخون صوتها، كيف عاش محمد آثار الإخفاق المتكرر، وكيف انقطعت أخباره دون أي يقين: لا خبر عن وفاة، ولا دليل على بقاء.
اليوم الثاني من المناسبة خصص لعروض ونقاشات سلطت الضوء على الوضع الاجتماعي للشباب، وفشل السياسات العمومية في الاستجابة لانتظاراتهم، وتعثر برامج التشغيل، واتساع دوائر الهشاشة. نقاشات ربطت بين انسداد الأفق، وتفاقم الأزمات النفسية والاجتماعية، وانتشار الجريمة في صفوف الشباب، حسب معطيات رسمية، لتخلص إلى أن الهجرة غير النظامية باتت تُقدَّم كطريق خلاص، بينما تكون نتائجها في الغالب سجنا أو موتا أو مآسي ممتدة للأسر.
وفي بعده الإقليمي، عرفت الفعاليات مشاركة الحقوقية التونسية سناء جندالي، التي تحدثت عن الحق في الحرية والتنقل، داعية إلى وضع حد لعسكرة الحدود. وأكدت أن الوضع في تونس هش، سواء بالنسبة للمهاجرين أو للمواطنين التونسيين، مشيرة إلى أن البلاد تحولت إلى فضاء عبور، مع تسجيل ممارسات خطيرة، من بينها رفض إنقاذ مهاجرين لأسباب سياسية، ومساومات تمس وحدة العائلات وحقوق الأطفال.
في أعقاب رحلة شاطئ السعيدية، التي شكّلت المحطة الثالثة والأكثر رمزية ضمن برنامج تخليد CommemorAction بوجدة، اتضح أن هذه الأيام لم تكن مجرد أنشطة متفرقة، بل مسارا متكاملا جمع بين النقاش العمومي، والشهادة الإنسانية، والفعل الرمزي في مواجهة سياسات حدودية تصنع الغياب وتراكم الألم. فبين الندوات واللقاءات التحسيسية، وصولا إلى الوقفة على خطّ الموت البحري، تكرس المعنى العميق لهذه المناسبة: الذاكرة كفعل مقاومة، والتضامن كأداة لمساءلة منطق القمع والتجريم.
رحلة السعيدية لم تُختَم عند حدود المكان، بل فتحت أفقا جديدا لوصل نضالات عائلات المفقودين بنضالات أوسع ضد عنف الدولة وسياسات الإقصاء، مؤكدة أن المطالبة بالحقيقة والعدالة ليست مطلبا ظرفيا، بل مسارا مستمرا، يبدأ بالاعتراف ولا ينتهي إلا بوقف إنتاج الموت على الحدود.
على شاطئ السعيدية، لم تكن الورود التي أُلقيت في البحر مجرد طقس رمزي، بل رسالة صريحة الذاكرة حية، والغياب لن يتحول إلى رقم، والعدالة للمهاجرين ليست مطلبا محليا، بل قضية إنسانية كونية.

وفي ختام الوقفة، قرأ رئيس الجمعية المغربية لمساعدة المهاجرين في وضعية صعبة، حسن العماري نداءً موجها إلى رئيس الجمهورية الجزائرية عبد المجيد تبون، ناشده فيه إصدار عفو شامل عن المعتقلين في السجون الجزائرية، وإطلاق سراحهم، مراعاةً لظروف عائلاتهم.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    Translate »