اورو مغرب بقلم: محمد الحدوشي
أفاد وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، خلال المجلس الحكومي المنعقد يوم 25 يونيو 2026، أن عدد المترشحين لاجتياز امتحانات البكالوريا بلغ 528.135 مترشحة ومترشحا، بزيادة بلغت 6,44 في المائة مقارنة بالسنة الماضية، كما بلغ عدد الناجحين من المتمدرسين 262.442 مترشحة ومترشحا، بنسبة نجاح وصلت إلى 64,8 في المائة.
واعتبر البلاغ الحكومي أن هذه النتائج تعكس “دينامية إيجابية” و”تحسنا ملموسا على مختلف المستويات”، وهو ما لا يمكن إنكاره من حيث المؤشرات الرقمية والتنظيمية، خاصة في ما يتعلق بتوسيع قاعدة المتمدرسين وتحسين ظروف إجراء الامتحانات. غير أن هذه الأرقام، وعلى أهميتها، تفتح الباب أمام أسئلة أخرى لا تقل أهمية عن نسب النجاح نفسها. فبعيدا عن النقاش المرتبط بعدد الناجحين أو نسبة النجاح، يبرز سؤال ظل يراودني، بصفتي متتبعا للشأن العام في بلادي هو أين يختفي المتفوقون بعد البكالوريا؟
في كل صيف، تتحول نتائج البكالوريا إلى حدث وطني بامتياز. تتصدر صور أصحاب المعدلات المرتفعة مواقع التواصل الاجتماعي، وتتنافس المؤسسات التعليمية على نشر أسماء المتفوقين، وتخصص المنابر الإعلامية مساحات واسعة لتغطية قصص النجاح، وتتحول بعض الأسماء إلى حديث الرأي العام لأيام أو أسابيع.
نقرأ عن تلميذ حصل على معدل 19,40، وآخر تجاوز 19,50، وثالث حقق أعلى معدل على المستوى الجهوي أو الوطني. نحتفي بهم جميعا، ونعتبرهم نخبة المستقبل، ونعلق عليهم آمالا كبيرة. لكن بعد سنوات قليلة، يختفي معظم هؤلاء من المشهد العام. أين أصبح أصحاب المعدلات القياسية؟ أين نجدهم في البحث العلمي؟ كم واحدا منهم أصبح أستاذا جامعيا أو باحثا أو مخترعا أو طبيبا باحثا أو مهندسا يقود مشاريع استراتيجية؟ ولماذا لا نستطيع تتبع مساراتهم بعد انتهاء الاحتفالات الصيفية؟ إن هذا السؤال لا يحمل أي تشكيك في كفاءة المتفوقين أو قدراتهم، بل يطرح إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة علاقتنا بالتفوق الدراسي.
فنحن في المغرب نحتفي كثيرا بالنتيجة، لكننا لا نتابع المسار.
نحتفل بالمعدل المرتفع، لكننا لا نسأل عن مصير صاحبه بعد خمس أو عشر سنوات. نكرم التلميذ يوم إعلان النتائج، ثم نتركه يواجه بمفرده تعقيدات الجامعة وسوق الشغل والبحث العلمي.
قد يهاجر بعض هؤلاء إلى الخارج لاستكمال الدراسة أو العمل، وقد يختار آخرون الابتعاد عن الأضواء، لكن ذلك لا يفسر هذا الاختفاء الجماعي الذي يتكرر كل سنة.
إن الدول التي تصنع النخب الحقيقية لا تتوقف عند لحظة إعلان النتائج، بل تبدأ عملها بعد النتائج. فالمتفوق لا يحتاج فقط إلى شهادة البكالوريا، بل يحتاج إلى المواكبة والتوجيه والمنح والتأطير والبحث العلمي وفرص الابتكار.
كما أن البكالوريا نفسها، رغم أهميتها، لا تقيس كل أشكال الذكاء والإبداع. فهي تقيس أساسا القدرة على التحصيل الدراسي والنجاح في الامتحان، لكنها لا تكفي وحدها لإنتاج الباحث أو المفكر أو المبتكر أو المقاول.
بل إن عددا من المتفوقين يصطدمون بعد ولوج الجامعة بواقع مختلف، حيث تصبح مهارات البحث والتفكير النقدي والابتكار أكثر أهمية من القدرة على الحفظ والاسترجاع.
وفي المقابل، نجد أحيانا أن بعض التلاميذ الذين لم يحققوا معدلات مرتفعة في البكالوريا استطاعوا فيما بعد بناء مسارات مهنية وعلمية ناجحة، وهو ما يؤكد أن البكالوريا ليست نهاية الطريق، وإنما مجرد محطة من محطات الحياة.
إن البلاغ الحكومي قدم أرقاما مهمة حول عدد الناجحين، لكنه لم يقدم لنا إجابة عن سؤال آخر: ماذا يحدث لهؤلاء المتفوقين بعد سنوات؟
كم منهم حصل على الدكتوراه؟
كم منهم عاد لخدمة بلده؟
كم منهم يشتغل في مراكز البحث والابتكار؟
كم منهم غادر الوطن؟
وكم منهم ضاع بين تعقيدات الجامعة وسوق الشغل؟
إن نجاح أكثر من 262 ألف تلميذ يبقى خبرا مفرحا، لكن نجاح الدولة في التعليم لا يقاس فقط بعدد الحاصلين على البكالوريا، بل يقاس أيضا بقدرتها على تحويل هؤلاء المتفوقين إلى رأسمال بشري حقيقي يساهم في التنمية والبحث العلمي والابتكار.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس: كم نجح في البكالوريا؟
بل: ماذا أصبح هؤلاء الناجحون بعد عشر سنوات؟
فبين صورة المتفوق التي تتصدر صفحات التواصل الاجتماعي في شهر يونيو، وصورة العالم أو الباحث أو المبتكر بعد سنوات، توجد مسافة طويلة ما زالت المدرسة والجامعة والسياسات العمومية مطالبة بردمها.
ويبقى السؤال مفتوحا: هل نصنع متفوقين في الامتحانات فقط، أم نصنع نخبا قادرة على قيادة مستقبل المغرب؟













عذراً التعليقات مغلقة