فيصل مرجاني يكتب جيل بلا بوصلة.. بين أزمة المعنى وواقع الهجرة

اورو مغربمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
فيصل مرجاني يكتب جيل بلا بوصلة.. بين أزمة المعنى وواقع الهجرة

اورو مغرب فيصل مرجاني

حقيقة، لا يبدو أن الإشكال الذي يواجهه مجتمعنا اليوم يقتصر على أزمة اجتماعية أو اقتصادية عابرة، بل يرتبط، في جانب عميق منه، بأزمة فكرية وبإشكالية أكثر تعقيدا تتمثل في التنصل الجماعي من المسؤولية، فالمجتمعات لا تبنى فقط من خلال المشاريع الكبرى، مهما بلغت أهميتها، وإنما كذلك من خلال قدرتها على الاستثمار في الإنسان، وفي وعيه، وفي قدرته على التفكير والنقد والمشاركة والانتماء.

من هنا تتجلى، حسب تقديرنا، فجوة كبيرة بين الأوراش الكبرى ذات الأبعاد الاستراتيجية والرؤية البعيدة المدى، وبين المشاريع والسياسات التي يفترض أن تنتج آثارا قريبة ومباشرة في الحياة اليومية للمواطن، ولا سيما لدى الأطفال والشباب، فالمشكلة هنا ليست في غياب المشاريع بالضرورة، وإنما في ضعف التكامل بين مستويات التدخل المختلفة، وفي غياب رؤية تجعل من التنمية المادية والتنمية الفكرية والثقافية والاجتماعية أجزاء من مشروع واحد.

كما أن الأكثر إثارة للانتباه هو المفارقة القائمة اليوم حول مسؤولية المجتمع تجاه الأطفال والشباب، لدرجة الاقتصار فقط على المدرسة بصفتها المؤسسة الوحيدة التي ينتظر منها أن تتحمل مسؤولية هذه الفئة، في مقابل أنها، بحكم طبيعتها ووظيفتها، مطالبة أساسا بأداء أدوار بيداغوجية وتعليمية محددة، تتصل بالمناهج والحصص والامتحانات والتحصيل الأكاديمي، لكن وفقا لمسؤولياتها ضمن هذا الصدد، من الطبيعي أن تكون للمدرسة هذه الأولويات تندرج في سياق اختصاصاتها المطلوبة؛ لكن غير الطبيعي هو أن نطلب منها، بصورة ضمنية، أن تقوم بكل ما عجزت عنه بقية المؤسسات الاجتماعية والثقافية والتربوية.

فالتأطير والتوجيه بالنسبة للطفل والشاب لا يتشكلان داخل الفصل الدراسي وحده، كما أن المواطن لا ينتج بالمعرفة المدرسية فقط، بل ينبغي الاعتماد على بناء الشخصية لهذه الفئات ضمن مقاربة عملية اجتماعية مركبة تشترك فيها الأسرة والمدرسة والفضاءات الثقافية والرياضية ودور الشباب والجمعيات التربوية والمجتمع المدني والأحزاب والمؤسسات العمومية والإعلام، وكل فضاءات التنشئة التي يتفاعل معها الفرد في حياته اليومية.

من هنا تحديدا تتمثل إحدى أكبر ثغرات النموذج الحالي، والمتعلقة بشكل أساسي بضعف البنية الموازية للمدرسة؛ فأين هي الأدوار الجديدة لدور الشباب؟ وأين الفضاءات الثقافية القريبة والمتاحة؟ وأين البرامج المستمرة للتربية المدنية والفكرية؟ وأين الجمعيات التي ترى في تأطير الأطفال والشباب استثمارا اجتماعيا طويل الأمد، لا مجرد فرصة للحصول على تمويل؟ وأين الأحزاب السياسية باعتبارها مدارس للمواطنة والمشاركة والتكوين السياسي؟

علاوة على ذلك، أصبح جزء من المجتمع المدني، للأسف، أسير منطق المشاريع الأكثر سهولة والأكثر راحة والأوفر تمويلا، بينما تحولت نسبة مهمة من النشاط الحزبي إلى ممارسة موسمية محدودة، غالبا ما تزداد كثافتها مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، أو تنحصر في التعريف بالأنشطة الداخلية والتنظيمية، من هذه التوطئة، تنشأ مفارقة عميقة؛ تتجلى في تواجد مؤسسات كثيرة، وبرامج متعددة، وموارد ترصد لعدة مشاريع متنوعة، غير أننا لا نملك دائما منظومة متكاملة لصناعة الإنسان وتأطيره ومرافقته ومواكبته بالشكل السليم والمطلوب.

في هذا الإطار، نرى بأننا اليوم في حاجة إلى أكثر من مجرد إطلاق برامج جديدة، بل نحن في حاجة إلى افتحاص فلسفة برامجنا الاجتماعية الموجهة إلى الأطفال والشباب، وإلى إعادة النظر في أهدافها وآليات تنفيذها وطرق تقييم أثرها، فالسؤال الحقيقي ليس: كم مشروعا أطلقنا؟ ولا كم مستفيدا سجلنا؟ وإنما السؤال الأكثر أهمية هو: ماذا غيرنا فعلا في الإنسان وتأثير ذلك داخل المجتمع؟

وغني عن البيان، بأن قياس النجاح الاجتماعي لا ينبغي أن يتوقف عند عدد المستفيدين أو حجم الاعتمادات المرصودة، بل يجب أن يقيس أثر السياسات في بناء الشخصية، وتنمية القدرات، وتعزيز الاستقلالية الفكرية، وترسيخ المسؤولية والمواطنة، وخلق أفق واقعي للشباب داخل مجتمعهم.

تبعا لذلك، يصبح التعامل مع ظاهرة الهجرة غير النظامية أكثر تعقيدا من مجرد إصدار الأحكام الأخلاقية على الشباب الذين يقدمون عليها، فكما شاهدنا، خلال الآونة الأخيرة، مقاطع عديدة لشباب وشابات، بل وحتى أطفال، يتحدثون عن رغبتهم في مغادرة البلاد بطرق غير نظامية، وقد يبدو بعض خطابهم غير منطقي أو متناقضا، لكن اختزال الظاهرة في عدم منطقية أقوال أصحابها يعني النظر إلى النتيجة وتجاهل الأسباب.

فإذا كان جزء من سلوك الشباب يبدو غير منطقي، فعلينا أن نتساءل أيضا: هل كانت المنظومة التي أنتجت هذا السلوك منطقية بما يكفي؟

في الواقع، هذه ليست محاولة لتبرير الهجرة غير النظامية، وإنما دعوة إلى تجاوز القراءة السطحية للظواهر الاجتماعية، لأن الحكم على الظواهر لا ينبغي أن يبدأ من مظاهرها النهائية، وإنما من البنية التي أنتجتها، وما دام السلوك الاجتماعي نتيجة لتفاعل مجموعة من العوامل الاقتصادية والثقافية والنفسية والمؤسساتية، فإن معالجة نتائجه دون تفكيك أسبابه لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج المشكلة بأشكال مختلفة ومتعددة.

لذلك، نحن بحاجة إلى الانتقال من منطق الحكم على الظاهرة إلى منطق فهمها، ومن رد الفعل إلى استباق الأسباب، ومن معالجة النتائج إلى تفكيك البنيات التي تنتجها، عندئذ، يصبح ممكنا أن نعرف ما الذي ينبغي إصلاحه، وما الذي ينبغي إعادة هيكلته، وما الذي يمكن إدماجه في منظومة جديدة أكثر انسجاما مع حاجات المجتمع.

عموما، لا يمكن ضمن هذا السياق، إنكار نجاعة عدد من المشاريع التي شكلت، عند إطلاقها، تجارب رائدة ومهمة، وفي مقدمتها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وغيرها من برامج الدعم الاجتماعي، غير أن نجاح المشروع في لحظة تاريخية معينة لا يعني بالضرورة صلاحيته الأبدية بالشكل نفسه، لأن السياسات العمومية، مثل المجتمعات نفسها، تحتاج إلى المراجعة والتقييم والتكيف المستمر مع مختلف التغيرات داخل المجتمع.

كما أن المشكلة لا تكمن دائما في الفكرة الأصلية للمشروع، وإنما قد تكمن في غياب المواكبة، أو في بعض الاجتهادات التنفيذية، أو في عدم ملاءمة بعض الآليات للتحولات التي عرفها المجتمع، فالمشروع الذي لا يتطور مع المجتمع يفقد تدريجيا جزءا من قدرته على التأثير، وقد يتحول من أداة للتنمية إلى مجرد آلية إدارية لتدبير الموارد.

وعليه، فإن المرحلة الحالية تقتضي من الحكومة، ومن مختلف الفاعلين العموميين والمؤسساتيين، التفكير في مقاربة جديدة تجعل من التنمية الفكرية والثقافية والاجتماعية جزءا أصيلا من مفهوم التنمية، لا ملحقا ثانويا بها.

لأننا فعلا بحاجة إلى فضاءات قريبة من الأطفال والشباب، ومتاحة لهم بصورة مستمرة، كما هي ملاعب القرب في المجال الرياضي، وعلى نفس المنوال، لماذا لا تكون لدينا، بالمنطق نفسه، فضاءات للقرب الفكري والثقافي والتربوي؟ فضاءات للقراءة والنقاش والمناظرة والفنون والمسرح والفلسفة والتكنولوجيا والابتكار والتربية المدنية، يستطيع فيها الشاب أن يكتشف ذاته، ويختبر قدراته، ويتعلم الاختلاف، ويمارس التفكير النقدي، ويكتسب أدوات الحوار والمشاركة.

فالشباب لا يحتاج فقط إلى ملعب يمارس فيه الرياضة؛ يحتاج أيضا إلى فضاء يمارس فيه العقل.

بناء على ذلك، ينبغي أن نعيد تعريف الاستثمار الاجتماعي، لأن الاستثمار في الشباب ليس فقط بناء البنيات التحتية أو تقديم الدعم المادي، وإنما هو أيضا بناء الإنسان القادر على استعمال تلك البنيات، والاستفادة من الفرص، والمشاركة في المجتمع، وتحمل المسؤولية.

كما أن الدولة التي تريد مجتمعا أكثر استقرارا ومواطنة لا يمكنها أن تكتفي بمحاربة نتائج الأزمات؛ عليها أن تستثمر في الوقاية منها فكريا وثقافيا وتربويا، فالمجتمع الذي يريد شبابا أكثر ارتباطا بوطنه لا يستطيع أن يطالبه بالانتماء دون أن يمنحه في المقابل فضاءات حقيقية للمشاركة، وفرصا لاكتشاف الذات، وأفقا للارتقاء، وإحساسا بأنه جزء من مشروع جماعي يتجاوز مجرد الحصول على شهادة أو وظيفة.

لذلك، يمكن القول، بأن المعركة الحقيقية ليست فقط مع البطالة أو الفقر أو الهجرة غير النظامية؛ بل إنها، ضمن مستوى أعمق، فهي بالذات، معركة من أجل بناء المعنى.

لأنه حين يفقد الشاب الإحساس بجدوى المستقبل، يصبح البحث عن بديل أمرا مفهوما، حتى وإن كان ذلك البديل غير عقلاني أو محفوفا بالمخاطر، وحين يفشل المجتمع في تقديم رواية مقنعة عن المستقبل، فإن الآخرين سيقدمون له رواياتهم الخاصة.

وبالتالي، فإن إعادة بناء السياسة الاجتماعية الموجهة إلى الأطفال والشباب ليست ترفا مؤسساتيا، بل ضرورة استراتيجية، بحيث تتطلب إعادة توزيع المسؤولية بين المدرسة والأسرة والدولة والمجتمع المدني والأحزاب والمؤسسات الثقافية والشبابية، وبناء منظومة متكاملة لا تترك المدرسة وحيدة في مواجهة كل أسئلة المجتمع.

لأن المدرسة تستطيع أن تعلم الطفل كيف يقرأ، لكنها لا تستطيع وحدها أن تعلمه كيف يعيش؛ والدولة تستطيع أن توفر البنية، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع المعنى؛ والمجتمع المدني يستطيع أن يفتح الفضاءات، لكنه لا يستطيع أن يحل محل المجتمع بأسره.

لهذا يظل الرهان الحقيقي في وجوب أن يكون بناء منظومة متكاملة تجعل من كل مؤسسة جزءا من عملية متناسقة لصناعة المواطن: مواطن يفكر، ويناقش، ويختلف، ويشارك، ويبتكر، ويتحمل المسؤولية، ويؤمن بأن له مكانا ودورا ومستقبلا داخل مجتمعه.

من أجل بناء حقيقي لمفهوم الانتقال الضروري من سياسة تدبير المشكلات إلى سياسة بناء الإنسان؛ ومن منطق الاستجابة للأزمات بعد وقوعها إلى منطق بناء مجتمع يمتلك الأدوات الفكرية والثقافية التي تمكنه من منع كثير من الأزمات قبل أن تتحول إلى ظواهر اجتماعية مستعصية.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    Translate »