خاطرة الأحد بقلم البكراوي المصطفى *حسن الظن بالله*

euromagreb12 مايو 2021آخر تحديث :
خاطرة الأحد بقلم البكراوي المصطفى *حسن الظن بالله*

تملكه خوف رهيب ممزوج بفرحة خفية و هو يسمع إسمه ضمن المشمولين بقرار العفو الشامل مما تبقى من عقوبته السجنية التي قضى منها زهاء عقدين و نيف من عنفوان شبابه خلف القضبان، على أتفه الأسباب : شجار بسيط على لفافة مخدر مع أحد رفاق السوء، تطور لملاسنات نابية فمشادات جسدية أجهز فيها على حياة خصمه، فكان نصيبه منها تلاثون سنة سجنا نافدا.
و بسماعه لخبر سراحه، شرد ذهنه و تاه و راح يجتر كيف كانت حياة الزنزانة الانفرادية، و كيف أنها عصيبة قاسية سرقت منه الحياة بأحلامها الوردية العسلية … أربعة جدران نثنة ضيقة تكاد تلامس بعضها البعض يستعصي الوقوف فيها انتصابا… صمت قاتل لا يكسره إلا صدى أبواب السجن الصدءة و هي تفتح و تغلق في أعماق الدهاليز… ضلمة حالكة تكاد تذهب بالأبصار و وحدة موحشة موجعة ولا أمل يلوح في الأفق ولو بقدر ذاك الشعاع الشمسي المتسلل إلى الزنزانة من كوة بحجم سم الخياط، يعد به تعاقب الليل و النهار عليه.
زيارات تكاد تكون منعدمة خصوصا بعد وفاة والدته في العام الأول من سجنه… وفاة اعزاها جل أفراد أسرته إليه و لم يلتمس أحد منهم له و لو بعذر واحد. أما الأب المتقاعد فقد باع بيته بعد أن زوج بنته الوحيدة دون السن القانونية رغما عنها من ابن عمها المقيم بالمهجر فاشترى بيتا آخرا في مدينة نائية. فماء وجهه ضاع و سمعته تلاشت و تلطخت بالدم الذي اهذره ابنه حسب زعمه.
خلى له الجو، فتزوج وأسس أسرة ثانية بديلة و بدأ حياة جديدة. فكان وكلما ذكره أحد بابنه إلا و رماه سخطا و ألبسه عقوقا…
أفاق من غفوته و استجمع قواه استعدادا للمغادرة.
و هذا الماضي المرير كله للنسيان.
فقد شبابه و أهله لكنه وجد ربه حيث كان ملازما للذكر و الصلاة جاعلا من زنزانته محرابا يناجي فيه ربه بكاءا و تضرعا… نادما تائبا صابرا محتسبا و اليوم حلت ساعة الفرج و استجاب القدر. فمما الوجل؟
توكل على الله وخرج.
كل شيء من حوله يبدو غريبا، يطيل النظر و يمعنه… تغيرت معالم الوجوه و الوجود و الأمكنة و الموجودات. كيف لا و الشيب اشتعل في رأسه و زحف إلى لحيته بعدما كان مفعوما بالفتوة و القوة و الشباب.
سجالات يحاول جاهدا الا يخوض فيها إلا أن لوامته تقحمه فيها بين الفينة و الأخرى رغما عن أنفه.
طرق كل أبواب عائلته و أقاربه، الواحد تلوى الآخر فكان في كل مرة يقابل بالرفض و غض الطرف. فحثى لو أن أحدا استقبله كانت معاملته له تنم على أنه ضيف ثقيل، غير مرغوب فيه لعظم ما اقترف من وزر، رغم أنه أبدى استقامة منقطعة النظير… فهو اليوم من حملة القرآن الكريم محافظ على الصلوات، متزن ملتزم… و ما زاد الطين بلة هو ملاحقة والده له و مقاطعته لكل من اواه أو احتضنه و تاليبهم عليه.
ضل صاحبنا صابرا محتسبا يمد بسببه إلى السماء فهي التي لم تتغير زرقتها و لا رفعتها في وجهه بفضل من رفعها بغير عمد.
فعقد العزم على مصالحة أبيه و السفر إليه حيث يقطن حثى تقبل جبينه و يديه. دخل المدينة على حين غفلة من أهلها و راح متخفيا يترصد والده و تحركاته حتى عرف المسجد الذي يواضب فيه أبوه على الصلاة. كان معه قليل من المال أرسلته له اخته خلسة من والدها، فاشتراه مسكا و بدأ يتاجر فيه أمام المسجد و كلما مر عليه والده الذي بلغ من الكبر عتيا إلا و أتحفه بنسمة منه كي يختلس نضرة شوق طال عهده بها.
هكذا كان يؤمن قوت يومه و بالمقابل لزم المسجد و ابلى بلاءا حسنا في خدمته. يسهر على تنظيف مرافقه و تلاوة الحزب الراتب بانتظام و تعليم القرآن للناشئة… بهذا لاقى إستحسان القيميين على المسجد فأصبح يقيم الصلاة في غياب المأموم. بل و يؤم الناس في الفرائض الجهرية لصوته الشجي الذي سلب عقول و أفئدة المصلين. نعم لقد أصبحت علاقته بالإمام جد متميزة… محبة في الله أسر له فيها كيف أن والده قاطع لصلته و اليوم هو هنا من أجل نيل رضاه. كيف لا فرضا الله من رضا الوالدين و لا أحد يدري من السابق من اللاحق.
وصف أبوه للإمام و بين له من يكون من بين المصلين، فاتفقا على إبرام صلح في أقرب الآجال.
و في صلاة فجر اليوم المعلوم، طلب الإمام من صاحبنا أن يصلي مكانه و أن يؤم الناس فدعى كذلك والد الإمام المتطوع أن يتقرب و أن يصلي يجانبه…
تقدم صاحبانا و شرع في الصلاة بالناس، فبعد التكبير و قراءة الفاتحة قرأ في الركعة الاولى و بصوت شجي قوله عز و جل”{وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيراً رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأوَّابِينَ غَفُوراً} الاية
و في الثانية و بعدالفاتحة قرأ قوله عز وجل”۞ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ” الآية.
و بعد التسليم و الدعاء أخد المأموم بيد الأب و همس في أذنهنه قائلا : أمعن النظر في هذا العبد الفقير الذي يؤمنا…من يكون؟ أطال الشيخ النظر و أطال فاغرورقت عيناه دمعا و شفتاه تتمتم كأنها تبوح بشيء : إنه أأأححححمد، أحمد إنه إبني، إبني أحمد. نعم صدق ، إنه إبنه أحمد، فعين الأب و قلبه لا يخطئان… ما إن نطق باسمه و صلته به حتى انتفضت فرائس الإبن البار المتعطشة للحنان و الرضا، فارتمى في أحضان والده يضمه إليه و يقبله في مشهد يحبس الأنفاس و الناس من حولهم تكبر و تهلل و الأب يشكر الإمام و الناس على حسن صنيعهم فهو اليوم يحس بالتقصير و الذنب اتجاه ابنه الوحيد الذي لم يبارزه بالمعصية رغم غلضته و قساوة قلبه. فهو العاق لا الولد . انفض الجمع و صفت الخواطر و عادت المياه إلى مجاريها… رافق الإبن والده إلى باب المنزل، فطلب منه أن يسكن معه من ليلته فالبيت يتسع لعاءلتين أو اكتر وعفى الله عما سلف.
نزل الإبن عند رغبة والده لكن طلب منه هو الآخر أن يمهله يوما أو يومين يرتب فيها اموره ثم يلتحق به.
تعاهدا على ذلك و مضى كل واحد الى حال سبيله.
وفي صباح اليوم الموالي وقبل صلاة الظهر، سمع عويل و صياح يخترق زقاق و شوارع المدينة…
انا لله و إنا إليه راجعون.
توفي الوالد…
لا راد لقضاء الله و قدره. شيعت جنازته و أم الإبن البار الصلاة عليه، ففاز بالحسنيين رضا الله و رضا الوالدين…
….
دعواتكم لنا و لو في ظهر الغيب في هذه الأيام المباركة.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    Translate »