اورو مغرب منير حموتي
شهدت مدينة وجدة خلال الأشهر الماضية دينامية بيئية ملحوظة، عكست توجها متزايدا نحو تعزيز الفضاءات الخضراء وإعادة الاعتبار لجمالية المشهد الحضري. وقد تجسد هذا العمل في مجموعة من مشاريع التهيئة وإعادة التأهيل التي شملت عدداً من الساحات العمومية والشوارع الرئيسية، إلى جانب برامج للتشجير وغرس النباتات بمداخل المدينة ومحاورها الكبرى.
ومن أبرز هذه المبادرات، إعادة تأهيل حديقة إسلي بعد عملية تهيئة شاملة إضافة إلى مشروع انقاد و تطوير غابة سيدي امعافة، التي تعد متنفسا طبيعيا بيئياً مهما لساكنة المدينة. وقد شملت هذه المشاريع غرس أصناف نباتية مقاومة للجفاف، وتهيئة فضاءات مخصصة للاستجمام والترفيه، في خطوة تعكس وعيا متناميا بأهمية الحفاظ على التوازن البيئي داخل المجال الحضري.
وامتدت هذه الدينامية لتشمل عددا من الشوارع الرئيسية، من بينها شارع الحسن الثاني، وشارع محمد السادس، شارع إدريس الأكبر، وشارع يعقوب المنصور، وشارع مولاي الحسن، وشارع زايد بن سلطان، وشارع مبارك البكاي لهبيل، إضافة إلى الطرق المدارية بمختلف محاورها. كما شملت أشغال التهيئة محيط عدد من المؤسسات التعليمية، فضلاً عن ساحات عمومية بارزة مثل ساحة جدة وساحة 9 يوليوز وساحة 3 مارس وساحة 20 غشت، إلى جانب عدد من الأحياء السكنية.
غير أن هذه الدينامية البيئية الإيجابية لم تصمد طويلا، إذ بدأت في الآونة الأخيرة مؤشرات التراجع تظهر بشكل واضح، ما أثار استياء الساكنة. فقد لوحظ انتشار مظاهر الإهمال في عدد من الفضاءات الخضراء التي تم تأهيلها حديثا، حيث تعاني النباتات من الاصفرار والذبول، في ظل غياب واضح لعمليات السقي والصيانة الدورية، فضلاً عن انتشار الأعشاب الطفيلية التي تشوه جمالية هذه الفضاءات.
ويعد شارع سيدي امعافة نموذجا لافتا لهذه الاختلالات، حيث سجل غرس أشجار يابسة رغم خضوعه لعملية تهيئة شاملة، ما أثار موجة من التساؤلات والاستياء في صفوف المواطنين، الذين رأوا في ذلك مساسا بجمالية الشارع وصورة المدينة، وإفراغا لمشاريع التأهيل من مضمونها البيئي والجمالي
ولا يمكن إرجاع هذا التدهور إلى العوامل الطبيعية وحدها، بل يعكس، في جزء كبير منه، غياب المتابعة والصيانة المستمرة من طرف الجهات المكلفة بتدبير الفضاءات الخضراء. فهذه المشاريع، مهما بلغت جودتها عند الإنجاز، تظل رهينة بعناية دائمة تضمن استمراريتها وتحافظ على مردوديتها البيئية.
وتكتسي المساحات الخضراء أهمية بالغة داخل المدن، إذ تساهم في تحسين جودة الهواء، والحد من التلوث، وتلطيف درجات الحرارة، خصوصا في مدن تعرف ظروفا مناخية قاسية مثل مدينة وجدة، حيث تساعد الأشجار في التخفيف من تأثير الرياح المحملة بالغبار، وتوفير الظل، وتقليص الإحساس بحرارة الصيف.
وأمام هذا الوضع، تبدو الحاجة ملحة إلى تدخل عاجل يعيد الاعتبار لهذه الفضاءات، من خلال وضع برنامج صيانة مستدام يشمل السقي المنتظم، وإزالة الأعشاب الطفيلية، وتعويض الأشجار والنباتات المتضررة. كما يتطلب الأمر تعزيز آليات المراقبة والتتبع وربط المسؤولية بالمحاسبة، لضمان حسن تدبير هذه المشاريع.
إن الحفاظ على المساحات الخضراء ليس ترفا، بل ضرورة بيئية وحضرية وحقا من حقوق ساكنة وجدة وأجيالها القادمة. فإما أن تظل هذه الفضاءات شاهدا على نجاح تجربة حضرية واعدة أو تتحول إلى عنوان لإهمال يهدد جمالية المدينة وهويتها البيئية.
























































































عذراً التعليقات مغلقة