حين تتحول السينما إلى مساحة للحوار.. «MENA FILM FESTIVAL» التاسع في لاهاي يرفع شعار نبذ العنصرية

اورو مغربمنذ 4 دقائقآخر تحديث :
حين تتحول السينما إلى مساحة للحوار.. «MENA FILM FESTIVAL» التاسع في لاهاي يرفع شعار نبذ العنصرية

اورو مغرب لاهاي – كنانة عفاش

لم تكن الدورة التاسعة لمهرجان «MENA FILM FESTIVAL»، الذي تنظمه مؤسسة بلاد ما بين النهرين وبرئاسة الشاعر العراقي محمد الأمين والصحفية المغربية خديجة بوعشرين مجرد منصة لعرض الأفلام، بل جاءت هذا العام في مدينة لاهاي كتجربة ثقافية تسعى إلى إعادة تعريف دور السينما بوصفها مساحة للحوار والتلاقي الإنساني.
فمنذ انطلاق فعالياته، بدا واضحًا أن المهرجان لا يكتفي بتقديم أعمال بصرية متنوعة، بل يراهن على فكرة أعمق تقوم على نبذ العنصرية وتعزيز ثقافة السلام عبر الفن، من خلال جمع تجارب ورؤى مختلفة داخل فضاء واحد يفتح المجال أمام التواصل الإنساني بعيدًا عن الصور النمطية والانقسامات.

الرهان على الجمهور الشريك
تميّزت هذه الدورة بكسر الحواجز التقليدية بين الفنون، حيث تداخلت السينما مع الشعر والموسيقى لتشكّل تجربة ثقافية متكاملة، لم يعد فيها المشاهد متلقيًا فقط، بل شريكًا في قراءة العمل وتأويله. كما أتاحت اللقاءات المفتوحة بعد العروض مساحة مباشرة للنقاش بين المخرجين والنقاد والجمهور، لتتحول صالة السينما إلى مختبر للأفكار وأسئلة الهوية والاختلاف والعدالة الثقافية.

اليوم الثالث.. السينما في مواجهة الأسئلة الكبرى

بلغ هذا التوجه ذروته خلال الندوة الفكرية التي جمعت روائيين ونقادًا وشعراء، وناقشت العلاقة بين النص الأدبي والصورة السينمائية، إلى جانب التحديات التي تواجه السينما المستقلة وسينما المؤلف. ولم يكن النقاش بعيدًا عن سؤال الفن ودوره في بناء الوعي، إذ برزت فكرة أساسية مفادها أن الإبداع لا يغيّر الواقع مباشرة، لكنه يفتح مساحات للفهم والتقارب ويمنح المجتمعات فرصة لإعادة النظر في علاقتها بالآخر.

جوائز متعددة.. ورسالة واحدة

شهدت منصة المنافسة حضور أعمال من بلدان مختلفة، وأسفرت النتائج عن تتويج أفلام حملت أسئلة الهوية والعدالة والسلام، من بينها: «فوتوغرافيا» من سوريا بجائزة العدالة والسلام، و«أنت العابر» من لبنان كأفضل فيلم تسجيلي، وتوّج فيلم «وشم» (المغرب، إخراج فاطمة الزهراء اوباها) بجائزة لجنة التحكيم، فيما حصد الفيلمان الإيرانيان «مثل روبن ويليامز» و«سوداد» أبرز الجوائز الفنية، إلى جانب تنويه خاص للفيلم المصري «150».

أبعد من السينما

لم يتوقف أثر المهرجان عند العروض والجوائز، بل امتد إلى ورش إبداعية للأطفال والأجيال الجديدة لتعزيز أدوات التعبير والوعي البصري. كما شهدت الدورة لحظة وفاء ثقافي حملت بعدًا رمزيًا خاصًا، عبر تكريم الروائي العراقي جمال حيدر، والشاعر والمسرحي المغربي نصرالدين بوشقيف، إلى جانب قامات فنية وثقافية أخرى تركت أثرًا ممتدًا في الذاكرة الإبداعية وأسهمت في صناعة تحولات ثقافية وإنسانية تجاوزت حدود المكان والزمان.
وجاء هذا التكريم بوصفه لفتة جميلة للاحتفاء بمن أحدثوا فرقًا تاريخيًا في المشهد الثقافي والفني، ورسالة تؤكد أن الإبداع الحقيقي لا يقاس بمرحلته الزمنية، بل بقدرته على الاستمرار وصناعة الأثر وإلهام الأجيال الجديدة.
ورغم النجاح الفني والثقافي للدورة التاسعة، فإن القيمة الأعمق التي كشف عنها «MENA FILM FESTIVAL» لا تكمن في عدد العروض أو حجم الجوائز، بل في النموذج الذي يسعى إلى ترسيخه: ثقافة ترى في الفن وسيلة لمواجهة العنصرية، وفي الحوار طريقًا إلى السلام.
وفي مدينة مثل لاهاي، حيث تتقاطع الثقافات والهويات، بدا المهرجان هذا العام وكأنه يوجّه رسالة واضحة: أن الفن حين يجد جمهوره الحقيقي لا يبقى داخل الشاشة، بل يتحول إلى جزء من الحياة، وأن السلام يبدأ دائمًا من القدرة على رؤية الإنسان في الآخر.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    Translate »