اورو مغرب اعداد: محمد الحدوشي
في خطوة قضائية جريئة وغير مسبوقة، وجهت المحكمة الدستورية صفعة قوية لمشروع قانون المسطرة المدنية الذي أعدته وزارة العدل، وذلك بعد أن قضت بعدم دستورية عدد من مواده المثيرة للجدل، معتبرة أنها تتعارض مع مبادئ دستورية أساسية، في مقدمتها مبدأ الأمن القضائي، وحقوق الدفاع، وضمانات المحاكمة العادلة.
القرار الذي صدر عن المحكمة الدستورية يُعدّ بمثابة صدمة سياسية وتشريعية لوزير العدل عبد اللطيف وهبي، الذي دفع بهذا المشروع داخل البرلمان متحدياً الكثير من الانتقادات التي وجهت إليه من قبل مهنيي العدالة وجمعيات المجتمع المدني والحقوقيين.
أبرز المواد التي قضت المحكمة بعدم دستوريتها:
• الفصل 17: الذي أعطى للنيابة العامة حق الطعن في الأحكام دون التقيد بأي أجل، واعتبرته المحكمة مسا بحجية الأحكام القضائية وبمبدأ الأمن القضائي، وبالتالي مخالفًا للدستور.
• الفصل 84: المتعلق بالتبليغ، حيث نص على أن التبليغ يعد صحيحاً إذا سُلّم لأي شخص صرّح بأنه يعمل لفائدة الطرف المعني، ما اعتبرته المحكمة مسًّا خطيرًا بحقوق الدفاع والضمانات الإجرائية.
• الفصل 90: حول حضور الأطراف أو من ينوب عنهم في الجلسات المنعقدة عن بعد، وهو مقتضى أثار جدلاً حول مدى احترامه لمبدأ العلنية والحضورية في التقاضي.
• الفصلان 107 و364: اللذان حرما المحامي من حق التعقيب على مذكرات ومستنتجات المفوض الملكي، ما اعتبرته المحكمة إخلالًا خطيرًا بمبدأ تكافؤ وسائل الدفاع.
• الفصول 288، 339، 408، 410، 624 و628: كلها اعتبرتها المحكمة غير دستورية، إما بسبب المساس بحقوق الدفاع، أو بمنح سلطات واسعة للسلطة التنفيذية، ممثلة في الوزير المكلف بالعدل، للتدخل في العمل القضائي، مما يشكل خطرًا على استقلال السلطة القضائية.
دعوات لإحالة قانون المسطرة الجنائية بدوره على المحكمة الدستورية
عقب هذا القرار التاريخي، طالب عدد من الحقوقيين والمهنيين والنشطاء القانونيين بإحالة مشروع قانون المسطرة الجنائية أيضًا على أنظار المحكمة الدستورية، خاصة أنه يتضمن بدوره مقتضيات اعتُبرت أكثر خطورة، من بينها:
• المادتان 3 و7، اللتان تمكّنان بعض المتورطين في قضايا الفساد المالي من الإفلات من المتابعة، وتمنعان الجمعيات المهتمة بالمال العام من تقديم الشكايات أو تتبعها، ما اعتُبر تشريعًا للفساد، وتحصينًا غير دستوري للمفسدين.
ويتساءل المتابعون: إذا كانت المحكمة الدستورية قد وقفت بكل جرأة على الانحرافات التشريعية في قانون المسطرة المدنية، فلماذا يُستثنى قانون المسطرة الجنائية، رغم خطورته وآثاره المباشرة على حرية المواطنين وحقوقهم المالية؟ وهل ستتحرك الحكومة ومجلس النواب لإعادة التوازن إلى منظومة العدالة، أم أن “امتلاك الأغلبية” في البرلمان سيبقى هو المعيار الوحيد في التشريع، حتى وإن كان على حساب الدستور وكرامة المواطنين؟
خلاصات ونداء للمؤسسات
إن قرار المحكمة الدستورية يُعيد الأمل في أن دولة المؤسسات لا تزال قائمة، وأن الدستور ليس مجرد وثيقة شكلية، بل مرجع أعلى يُفترض أن تخضع له جميع السلطات، بما فيها السلطة التشريعية والتنفيذية.
كما يُعدّ هذا القرار إنذارًا واضحًا لكل من يعبث بالقوانين التنظيمية ذات الصلة بالعدالة، بأن زمن التشريع بمنطق التحكم أو التسرع قد ولى، وأن حماية الحقوق والحريات، واستقلال القضاء، وضمان المحاكمة العادلة، ليست شعارات بل التزامات دستورية واجبة الاحترام.
ويبقى الرهان الحقيقي اليوم على يقظة المجتمع، وتحرك القوى الحية، من أجل وقف مشاريع القوانين المعيبة دستوريًا قبل فوات الأوان، والدفاع عن سلطة قضائية مستقلة، وعدالة منصفة تُكرّس الثقة في دولة الحق والقانون












عذراً التعليقات مغلقة