المساحات الخضراء بوجدة جهود واعدة تهددها معضلة الصيانة

اورو مغربمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
المساحات الخضراء بوجدة جهود واعدة تهددها معضلة الصيانة

اورو مغرب منير حموتي

في ظل التوسع العمراني المتسارع والتحديات البيئية المتزايدة، أضحت المساحات الخضراء عنصرا استراتيجيا في بناء المدن لما تؤديه من وظائف بيئية واجتماعية واقتصادية تعزز في تحسين البيئة ولم تعد هذه الفضاءات مجرد مكون جمالي، بل أصبحت مؤشرا على جودة التخطيط الحضري وقدرة المدن على مواجهة آثار التغيرات المناخية. وفي هذا السياق، تبرز مدينة وجدة باعتبارها نموذجا يواجه تحديات بيئية ومناخية تستدعي إيلاء المساحات الخضراء اهتماما أكبر، بما يضمن تحقيق التوازن بين التوسع العمراني ومتطلبات الاستدامة البيئية.
وخلال السنوات الأخيرة شهدت مدينة وجدة دينامية ملحوظة في مجال تأهيل الفضاءات الخضراء، من خلال إطلاق مشاريع همت إعادة تهيئة عدد من الساحات العمومية، وغرس الأشجار والنباتات على مستوى الشوارع الرئيسية والمدارات الطرقية ومداخل المدينة، في إطار رؤية تروم تعزيز البنية الإيكولوجية وتحسين المشهد الحضري.
وشملت هذه الدينامية عددا من الساحات العمومية، من بينها ساحة جدة، وساحة 9 يوليوز، وساحة 3 مارس، وساحة 20 غشت، ساحة روما؛ ساحة باب سيدي عبد الوهاب إلى جانب فضاءات أخرى، حيث جرى غرس الأشجار والنباتات المقاومة للجفاف، وإنجاز شبكات للسقي بالتنقيط، في إطار ترشيد استهلاك المياه.
ولا يمكن إنكار أن هذه المشاريع تركت أثرا إيجابيا على المشهد الحضري، وأعادت الحياة إلى عدد من الفضاءات التي كانت في وضعية متدهورة، وهو ما لقي استحسانا من طرف الساكنة، التي أصبحت تلمس تحسنا واضحا في عدد من المحاور والشوارع والساحات.
غير أن هذا الجانب الإيجابي لا يحجب وجود بعض الاختلالات التي بدأت تظهر في عدد من المساحات الخضراء، حيث تكشف المعاينات الميدانية كما توثقها ( الصور ) أن بعض الفضاءات التي خضعت لعمليات الغرس والتهيئة تعاني اليوم من الجفاف وذبول النباتات، وانتشار الأعشاب اليابسة، وتراجع الغطاء النباتي، إضافة إلى ظهور مساحات ترابية وسط المساحة الخضراء التي أُحدثت في بداية المشروع.
وتبرز الصور أيضاً وجود تجهيزات للسقي بالتنقيط في عدد من المواقع، غير أن فعاليتها تبدو محدودة في بعض الفضاءات ، الأمر الذي يطرح أكثر من علامة استفهام حول أسباب تدهور النباتات رغم توفر هذه التقنية. كما يلاحظ، في بعض الحالات، و اللجوء إلى السقي بواسطة شاحنات الصهاريج، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى اشتغال شبكات السقي الموضوعة بمعنى لا تشتغل، ومدى نجاعة تدبيرها وصيانتها.
ويبدو أن الإشكال الحقيقي لا يرتبط بمرحلة الإنجاز بقدر ما يتعلق بمرحلة ما بعد الإنجاز، إذ إن نجاح مشاريع التشجير لا يقاس بعدد الأشجار المغروسة فقط، وإنما بقدرتها على الاستمرار والنمو، وهو ما يتطلب برنامجا دائما للصيانة يشمل السقي المنتظم، وإزالة الأعشاب الطفيلية، وتعويض النباتات المتضررة، وصيانة شبكات الري، مع تتبع دوري يضمن الحفاظ على الاستثمارات العمومية الموجهة لهذا القطاع.
فالمساحات الخضراء ليست مجرد عنصر جمالي، بل تشكل رئةً حقيقية للمدينة، ودورها في تحسين جودة الهواء، والحد من التلوث، وتوفير الظل، والتقليل من تأثير الرياح المحملة بالغبار فضلا عن دورها في تخفيف الإحساس بحرارة الصيف، خاصة في مدينة ذات خصوصية مناخية مثل مدينة وجدة.
ومن هذا المنطلق، فإن المحافظة على هذه المكتسبات تقتضي الانتقال من منطق الإنجاز إلى منطق التدبير المستدام، حتى لا تتحول مشاريع التشجير إلى مبادرات ظرفية تفقد أثرها بعد أشهر قليلة من تنفيذها.
وأمام ما تعكسه بعض الفضاءات من مظاهر تراجع، تبدو الحاجة ملحة إلى تعزيز آليات المراقبة والتتبع، وتقييم أداء الجهات المكلفة بالغرس والصيانة المستمرة ،غياب المتابعة من طرف الجهات المكلفة بتدبير الفضاءات الخضراء. مع الحرص على ربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمانا لاستمرارية هذه المشاريع البيئية التي ينتظر منها أن تحقق أثرها على المدى الطويل.
فالرهان اليوم لم يعد يقتصر على غرس الأشجار وإعادة تأهيل الساحات، بل أصبح مرتبطا أيضاً بحسن تدبيرها وصيانتها، حتى تظل المساحات الخضراء متنفسا حقيقيا لساكنة مدينة وجدة، وتواصل أداء رسالتها البيئية والجمالية، بدل أن تتحول إلى فضاءات فقدت جزءاً كبيراً من الوظيفة التي أنشئت من أجلها.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    Translate »