اورو مغرب بقلم: محمد الحدوشي
لم تعد الجامعة في عالم اليوم فضاءً معزولاً عن التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، بل أصبحت في قلب معركة التنمية، وإنتاج المعرفة، وتأهيل الكفاءات القادرة على مواكبة سوق عمل سريع التغير. وفي هذا السياق، تقدم التجربة الصينية درساً بالغ الأهمية للدول التي تسعى إلى إصلاح تعليمها العالي، بعدما شرعت الصين في إعادة هيكلة واسعة لتخصصاتها الجامعية، شملت إلغاء أو تعليق آلاف البرامج التقليدية، مقابل استحداث تخصصات جديدة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والروبوتيك، والاقتصاد الرقمي، والصناعات المستقبلية.
فحسب المعطيات الصادرة عن وزارة التعليم الصينية، ألغت أو علقت مؤسسات التعليم العالي بالصين حوالي 12200 برنامج بكالوريوس بين سنتي 2021 و2025، مقابل استحداث 10200 تخصص جديد، وهو ما يعني أن أكثر من 30 في المائة من البرامج الجامعية خضعت لتعديلات جوهرية. ولم يكن هذا التحول مجرد قرار إداري، بل اختياراً استراتيجياً يعكس وعياً عميقاً بأن الجامعة التي لا تتغير مع الزمن تتحول إلى مؤسسة لإنتاج الشهادات بدل إنتاج الكفاءات.
وقد تركزت قرارات الإلغاء في مجالات تعرف تشبعاً واضحاً داخل سوق الشغل، مثل بعض تخصصات الفنون، والعلوم الإنسانية، واللغات الأجنبية، والإدارة، في مقابل تعزيز التكوينات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والذكاء الاصطناعي المتجسد، والتكنولوجيا الرقمية، والنمذجة، والمحاكاة، والصناعات الذكية. وهذا يعني أن الصين لم تعد تنظر إلى التخصص الجامعي من زاوية رمزية أو تقليدية، بل من زاوية وظيفته الاقتصادية والمعرفية وقدرته على إدماج الخريجين في سوق العمل.
إن أهمية هذه التجربة لا تكمن فقط في حجم الأرقام، بل في الفلسفة التي تحكمها. فالصين أدركت أن التخصصات الجامعية يجب أن تخضع لتقييم مستمر، وأن بقاء أي شعبة أو مسلك لا ينبغي أن يكون نتيجة العادة أو التراكم التاريخي، بل نتيجة الحاجة الفعلية للمجتمع والاقتصاد. فالجامعة الحديثة لا تكتفي بتدريس المعارف، بل تراقب تحولات سوق العمل، وتتوقع المهن القادمة، وتعيد بناء عروضها التكوينية بناءً على مؤشرات دقيقة.
ومن هنا، تبدو التجربة الصينية رسالة مباشرة إلى الدول النامية، ومن بينها المغرب، من أجل التفكير الجدي في إصلاح عميق لمنظومة التعليم العالي. فالمغرب، رغم المجهودات المبذولة في توسيع الولوج إلى الجامعة وتنويع المسالك، لا يزال يعاني من إشكالات بنيوية، أبرزها ضعف الملاءمة بين التكوين وسوق الشغل، وتضخم بعض الشعب ذات الآفاق المحدودة، وضعف التكوين التطبيقي، وقلة الارتباط بين الجامعة والمقاولة، فضلاً عن البطالة التي تطال عدداً مهماً من حاملي الشهادات.
إن المطلوب اليوم من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار ليس مجرد تغيير أسماء المسالك أو إضافة وحدات شكلية حول الرقمنة، بل إطلاق مراجعة وطنية شاملة للخريطة الجامعية بالمغرب. مراجعة تقوم على تشخيص دقيق للتخصصات التي تعرف إقبالاً كبيراً دون أن توفر فرص إدماج حقيقية، وفي المقابل دعم التخصصات المرتبطة بالتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وتحليل البيانات، والطاقات المتجددة، والصناعات الغذائية، والاقتصاد الأزرق، وتدبير الماء، والهندسة الترابية، واللوجستيك، والمهن القانونية والقضائية الرقمية.
ولا يعني ذلك إلغاء العلوم الإنسانية والاجتماعية أو تهميشها، لأنها تظل ضرورية لفهم المجتمع والدولة والثقافة والقيم. لكن المطلوب هو تجديدها وربطها بالتحولات الجديدة. فالقانون مثلاً يجب أن ينفتح على الذكاء الاصطناعي، وحماية المعطيات الشخصية، والجريمة الرقمية، والعقود الإلكترونية، والتحكيم الرقمي. وعلم الاجتماع ينبغي أن يدرس التحولات الرقمية، والهجرة، والهشاشة، والمدينة الذكية. أما اللغات، فيجب أن ترتبط بالترجمة المتخصصة، والتواصل الرقمي، والدبلوماسية الاقتصادية، وصناعة المحتوى.
ومن بين الدروس المهمة التي يمكن للمغرب استخلاصها من التجربة الصينية، ضرورة اعتماد آلية وطنية لتقييم المسالك الجامعية كل ثلاث أو خمس سنوات، بناءً على معايير واضحة، منها نسبة الإدماج المهني، وحاجات الاقتصاد الوطني، وجودة التأطير، وعدد الطلبة، ومردودية البحث العلمي، ومدى ارتباط التكوين بالأولويات الاستراتيجية للدولة. فلا يعقل أن تستمر بعض التخصصات بنفس البنية والمضامين لعقود، في حين أن العالم يتغير بسرعة غير مسبوقة.
كما ينبغي إحداث مرصد وطني دائم للتخصصات الجامعية وسوق الشغل، يضم وزارة التعليم العالي، ووزارة الإدماج الاقتصادي، والجامعات، والقطاع الخاص، والجهات، ومراكز البحث. وتكون مهمته تتبع حاجات سوق العمل وطنياً وجهوياً، واقتراح التخصصات الواجب فتحها أو تطويرها أو دمجها أو تقليصها. فالمغرب في حاجة إلى جامعة مرتبطة بالمجال الترابي، بحيث تختلف أولويات التكوين بين جهة فلاحية، وجهة صناعية، وجهة سياحية، وجهة بحرية، وجهة حدودية.
وفي هذا الإطار، يمكن للجامعات المغربية أن تطلق جيلاً جديداً من التخصصات، من قبيل القانون الرقمي، الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات، الأمن السيبراني، تحليل البيانات القضائية والإدارية، تدبير المدن الذكية، الطاقات المتجددة، تحلية المياه، الاقتصاد الأزرق، اللوجستيك الدولي، التجارة الإلكترونية، الصحافة الرقمية، صناعة المحتوى، الذكاء الاصطناعي في التعليم، والوساطة والتحكيم الإلكتروني.
كما أن إصلاح الجامعة لا يمكن أن ينجح دون مراجعة طرق التدريس. فالطالب لم يعد في حاجة إلى تلقي معلومات جامدة فقط، بل يحتاج إلى تكوين قائم على حل المشكلات، والتدريب العملي، والبحث التطبيقي، والعمل الجماعي، والتدريب داخل المؤسسات والمقاولات. وهنا يجب أن تنتقل الجامعة المغربية من منطق الشهادة إلى منطق الكفاءة، ومن منطق الحفظ إلى منطق الإنتاج، ومن منطق المدرج المغلق إلى منطق المختبر المفتوح على المجتمع.
وتتحمل وزارة التعليم العالي مسؤولية كبرى في قيادة هذا التحول، ليس بمنطق الاستنساخ الحرفي للتجربة الصينية، لأن لكل دولة خصوصيتها، ولكن بمنطق الاستفادة من روح التجربة والجرأة في التقييم، والمرونة في القرار، وربط الجامعة بالتنمية، وعدم الخوف من مراجعة التخصصات التي لم تعد قادرة على إنتاج قيمة معرفية أو مهنية.
إن المغرب، وهو يراهن على الرقمنة، والاستثمار، والصناعة، والطاقات المتجددة، والموانئ الكبرى، والذكاء الاصطناعي، لا يمكن أن يواصل الاعتماد على خريطة جامعية تقليدية لا تواكب بالسرعة المطلوبة هذه التحولات. فالجامعة هي الخزان الحقيقي للكفاءات، وإذا لم يتم إصلاحها بعمق، ستظل الفجوة قائمة بين الشهادة والوظيفة، وبين التكوين والتنمية، وبين طموح الدولة وواقع الخريجين.
وفي الختام، فإن ما قامت به الصين ليس مجرد إصلاح جامعي، بل إعلان عن نهاية الجامعة التقليدية التي تنتج تخصصات معزولة عن الاقتصاد والمجتمع. وهي رسالة ينبغي أن تلتقطها وزارة التعليم العالي المغربية بسرعة فالمستقبل لن ينتظر المترددين، والجامعة التي لا تستشرف المهن القادمة ستبقى رهينة الماضي. لذلك، أصبح من الضروري إطلاق ورش وطني جريء لإعادة رسم الخريطة الجامعية المغربية، بما يضمن تكوين جيل جديد من الطلبة القادرين على المنافسة، والابتكار، وخدمة التنمية الوطنية في زمن الذكاء الاصطناعي













عذراً التعليقات مغلقة