مسجد باريس الكبير في ذكراه المئوية: هل أُنصف التاريخ؟

اورو مغرب19 يوليو 2026آخر تحديث :
مسجد باريس الكبير في ذكراه المئوية: هل أُنصف التاريخ؟

اورو مغرب

الدكتور عبد الله بوصوف، الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج

تابعت يوم 16 يوليوز 2026 الاحتفال بالذكرى المئوية لمسجد باريس الكبير، الذي أشرف عليه العميد الحالي شمس الدين حفيظ، وشارك في تقديم فقراته الإعلامي المغربي عبد الرحيم حافظي، مقدم برنامج الإسلام على القناة الثانية الفرنسية. وقد امتد الحفل قرابة ثلاث ساعات، كان من المفترض أن تشكل مناسبة لاستحضار الذاكرة التاريخية لهذه المؤسسة الإسلامية العريقة، غير أن ما طُرح خلالها يدعو إلى وقفة تأمل، لأن الاحتفاء بالمؤسسات لا يكتمل إلا بالوفاء لتاريخها الحقيقي.

لم تكن ملاحظاتي مرتبطة بتنظيم الحفل أو عدد ضيوفه، وإنما بالسردية التاريخية التي قُدمت حول نشأة المسجد. فقد بدا، في أكثر من محطة، أن تاريخ التأسيس قد أُعيدت صياغته بما يهمش أدوارًا موثقة في الأرشيف الفرنسي والمغربي، ويقدم رواية لا تنسجم مع الوثائق المؤسسة للمسجد.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك تقديم السلطان المغربي مولاي يوسف وكأنه أحد المدعوين إلى حفل الافتتاح إلى جانب رئيس الجمهورية الفرنسية. والواقع أن السلطان لم يكن ضيفًا على المشروع، بل كان يمثل المرجعية الروحية التي ارتبط بها المسجد منذ نشأته. فقد أصدر سنة 1917 ظهيرًا شريفًا عيّن بموجبه قدور بن غبريط، الجزائري الأصل والمتجنس بالجنسية المغربية، على رأس شركة الأحباس والأماكن المقدسة، وهي المؤسسة التي أوكل إليها الإشراف على مسجد باريس، إلى جانب إدارة مؤسسات وقفية أخرى، منها فنادق الحجاج المغاربة بمكة المكرمة والمدينة المنورة. ومن ثم فإن علاقة السلطان بالمسجد كانت علاقة تأسيس وإشراف، لا مجرد حضور بروتوكولي.

كما أن الحديث عن مساهمة “حرفيين من شمال إفريقيا” في بناء المسجد يتجاوز حقيقة توثقها وثائق محفوظة بأرشيف وزارة الخارجية الفرنسية في لا كورنوف، والتي تفيد بأن الصناع التقليديين الذين أنجزوا الزخارف المغربية قدموا من المغرب، وأن مواد البناء التقليدية، من الزليج الفاسي والخشب المنقوش والجبص، نُقلت عبر ميناء الدار البيضاء إلى باريس خصيصًا لإنجاز المسجد وفق العمارة المغربية الأصيلة.

وتشير الوثائق كذلك إلى أن لجنة من المؤقتين المغاربة أشرفت على تحديد اتجاه القبلة عند وضع الحجر الأساس للمسجد، اعتمادًا على الخبرة المغربية في علم المواقيت والفلك، وهي الخبرة التي اشتهرت بها مدرسة فاس ودار المؤقت، واستندت إلى تراث علمي راكمه علماء كبار، من بينهم ابن البناء المراكشي.

ومن الجوانب التي تستحق إعادة الاعتبار أيضًا شخصية الإمام محمد بن العربي السكيرج، أول إمام وخطيب للمسجد. فقد تضمنت خطبته الأولى وصايا جامعة للمسلمين المقيمين في فرنسا، دعاهم فيها إلى حسن الجوار، واحترام القوانين، والإحسان إلى الناس، وتربية الأبناء على الأخلاق، والمحافظة على الدين مع الاندماج الإيجابي في المجتمع. وهي وثيقة تأسيسية جديرة بأن تُدرج ضمن النصوص المرجعية لتاريخ الإسلام في فرنسا.

وخلال الاحتفال عُرض شريط وثائقي حول طباعة المصحف المئوي بالجزائر، وأُعلن عن توزيعه على مساجد فرنسا، في مشهد قد يفهم منه أن لمسجد باريس سلطة دينية على عموم المساجد الفرنسية، بينما الواقع القانوني والتنظيمي للإسلام في فرنسا أكثر تعقيدًا وتعددًا. كما جرى التأكيد على أن سبعة من عمداء المسجد كانوا من أصول جزائرية، دون توضيح أن الجزائر، بصفتها دولة مستقلة، لم يكن لها دور في تعيينهم، باستثناء العميد الحالي، وأن تاريخ المسجد سابق على استقلال الجزائر بسنوات طويلة.

إن الإدارة الحالية لأي مؤسسة لا تمنحها حق إعادة كتابة تاريخها. فالذاكرة التاريخية لا تؤسسها موازين القوى الآنية، وإنما تؤسسها الوثائق والأرشيفات والوقائع الثابتة. وفي حالة مسجد باريس الكبير، فإن عناصر التأسيس واضحة: الظهير السلطاني، والمؤسسة الوقفية المغربية، والحرفيون المغاربة، والمواد المعمارية المغربية، والمؤقتون المغاربة، وأول إمام وخطيب، والمرجعية الروحية للسلطان المغربي.

وتبرز في هذا السياق شخصية الجنرال هوبير ليوطي، الذي كان من أبرز الداعمين لمشروع المسجد، وكان يرى أن نجاحه يقتضي أن يستند إلى الشرعية الدينية التي يمثلها السلطان المغربي بصفته أمير المؤمنين، حتى يحظى بثقة المسلمين ولا يُنظر إليه باعتباره مجرد مشروع استعماري. وتؤكد مراسلات تلك المرحلة أهمية هذا البعد في التصور الفرنسي لتأسيس المسجد.

ومن اللافت أيضًا أن الأبيات الشعرية المنقوشة على جدران المسجد اختيرت من قصيدة نظمها الإمام محمد بن العربي السكيرج احتفاءً بهذه المناسبة، وهو معطى آخر يبرز الحضور المغربي في الهوية الرمزية للمسجد، إلى جانب الهوية المعمارية والعلمية والروحية.

أما من حيث الحضور، فقد بدا أن الاحتفال اقتصر على شخصيات رسمية فرنسية وبعض المقربين من إدارة المسجد، في حين غابت شخصيات دبلوماسية وثقافية ودينية كان حضورها سيمنح المناسبة بعدها التمثيلي الحقيقي، ومن بينها سفيرة المملكة المغربية، وعدد من سفراء الدول العربية والإفريقية، إضافة إلى غياب معظم النخب الإسلامية الفاعلة في فرنسا. ولم ترد الإشارة إلى الدور المغربي إلا في كلمة وزير الداخلية الفرنسي، الذي ذكّر بأن الزليج الذي يزين المسجد قدم من مدينة فاس.

إن مرور مائة سنة على افتتاح مسجد باريس الكبير يفرض اليوم إعادة فتح ملف تاريخه في ضوء الوثائق الأصلية، بعيدًا عن السرديات السياسية المتغيرة. فالاعتراف بالدور المغربي في تأسيس المسجد لا ينتقص من مكانة أحد، بل يعيد لكل طرف مكانه الطبيعي في كتابة تاريخ مؤسسة أصبحت جزءًا من تاريخ الإسلام في أوروبا.

ولعل الخطوة المناسبة اليوم هي إطلاق مبادرة علمية وقانونية فرنسية، يشارك فيها مؤرخون وأرشيفيون وقانونيون، لإعادة جمع الوثائق المؤسسة للمسجد، ونشرها في طبعة نقدية محققة، حتى يصبح تاريخ هذه المؤسسة ملكًا للبحث العلمي لا رهينًا للروايات المتغيرة. فالمؤسسات الكبرى لا يحفظها الخطاب السياسي، وإنما يحفظها الأرشيف، والوثيقة، والوفاء للحقيقة التاريخية

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    Translate »