إلى جانب تغطية أحد أهم المواثيق بين الإسلام والمسيحية، تكمن أهمية كتاب الإمام والبابا والطريق الصعب للأخ والصديق القاضي محمد عبد السلام في أن الكاتب كان شاهد عيان على هذه الرحلة المضنية منذ بدايتها، وعايش عن كثب الهموم التي كانت تشغل بال الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر، أحمد الطيب، قبل أن يكون إماما حين كان يشاهد الأحداث العصيبة تصيب الأمة الإسلامية تترا، وهو يبحث في كل اتجاه عمن يمد له يد العون لوضع حد للعنف، ولضماد الجروح الكثيرة الغائرة منذ زمن بعيد.
وقد نجح الكاتب في توثيق رحلة الحوار الطويلة هذه جامعا بين سرد الصعوبات والتيسيرات التي مرت بها حتى تمخضت في آخر المطاف عن الوثيقة التي اعتمدت الأمم المتحدة تاريخ توقيعها يوما عالميا للأخوة الإنسانية.
وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن فكرة الوثيقة نفسها – وإن كانت بذورها مركوزة في ذهن الشخصيتين المهمتين اللتين حظي الكاتب بمرافقتهما، ونيل ثقتهما – كانت من اقتراح الكاتب نفسه الذي لم يقتصر جهده في هذا الشأن على مجرد المتابعة، والتنسيق فحسب، بل كان أكثر من ذلك بكثير. فالكاتب كان يولي اهتماما بالغا لدقائق الأمور، ويدرس كل صغيرة، وكبيرة مما يتعلق بموضوع العلاقات مع غير المسلمين، وهو ما ينم عنه ما اشتمل عليه الكتاب من تحريرات، وتدقيقات كان من شأنها أن أزالت كثيرا من الغبار عن فترات مضيئة في التاريخ المشترك يمكنها أن تحيي الأمل في نفوس أجيال عبثت بها تسييسات معينة لا تولي للحقائق التاريخية أيما اهتمام.
فقد كشف الكاتب بالتوثيق الدقيق لهذه المسيرة الشديدة الحساسية لما كان يكتنفها من ظلال تاريخية عميقة، وراح يسرد لنا من التاريخ ما يسهل الطريق على كل راغب في السلام يمد يده إلى الآخر مهما كان من أجل التعاون، والتضامن في سبيل حقن الدماء، وإفشاء السلام، ابتداء من حياة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى أن استوت وثيقة الأخوة الإنسانية على سوقها.
وعلى الرغم من السرد التاريخي الذي امتاز به توثيق هذه المسيرة إلا أن الكاتب لم يغرق في ذكر السلبيات التي عرفها التاريخ المشترك للمسيحية، والإسلام، بل سلط الضوء على المحطات المشرقة لتلك العلاقة، والتي تدل على أن السلام، والتعاون على الخير متاح دائما، ولا يمكن أن يحول دونهما شيء ما دامت هناك إرادة لذلك. كما أنه سلط الأضواء على الموانع الحقيقية التي يحتاج تجاوزها إلى الوقت الكافي، والصبر الجميل حتى تتهيأ الظروف المؤاتية لمثل هذه الخطوات الهامة التي تفوت الفرصة على الذين دأبوا على الاصطياد في الماء العكر.
وإذا كان لكل كاتب أثر ما يتركه في نفس القارئ، فإنه مما يأتي على رأس قائمة الآثار الطيبة التي يمكن أن يجدها القارئ في هذا الكتاب هو إحياء الأمل في النفوس، والتشجيع على المثابرة في متابعة الأمور إلى نهايتها دون الاكتراث لما يلاقيه المرء في طريقه من الصعاب، والمثبطات، ففي هذا الكتاب روح أمل تسري بين طياته، تعظم كلما تابع القارئ القراءة.
ولعل أقوى عبارات الكتاب التي تحمل هذه الروح تتمثل في وصف الحبر الأعظم للكاتب في المراحل المتأخرة من التعامل المشترك بأنه مصنع لإنتاج الأمل، وذلك لما رآه في تلك المسيرة الطويلة المضنية من حرص الكاتب على تحويل أفكار الوثيقة النظرية إلى أمور عملية ملموسة، وإخراجها إلى حيز الوجود. وقد كان البابا يعبر بذلك عن خبرته التي عاشها مع الكاتب في جميع مراحل هذه الوثيقة، إذ كان الكاتب هو المحرك الأساسي لهذا الجهد الجهيد. وقد ساهم في ذلك ما أوتيه من تربية روحية رافقته منذ نعومة أظفاره ترسخت في فترة مرافقته لشيخ الأزهر.
وقد ظهر هذا الأمر جليا في المحطات العصيبة التي مرت بها مسيرة هذه الوثيقة، حيث كانت مواصلة الطريق تبدو أمرا بالغ الصعوبة، إلا أن الأمل في تحقيق هذا الحلم المستحيل كان هو الباعث على الصمود، والثبات، ليتفتق ذهن الكاتب بعدها على حلول تفتح طريقا جديدا للمواصلة، ويجسد باقتراحاته العملية أفكارا مجردة كانت تدور في خلد الشخصيتين الهامتين اللتين حظي بمرافقتهما، وكسب ثقتهما.
ويبدو أن صنع الأمل عند الكاتب لا يقتصر على الجانب العملي فحسب، بل راح يبحث عن ذلك الأمل في التاريخ ليبرز لنا تلك الفترات المشرقة، ويميزها عن السلبيات التي تطغى عليها في كثير من الحالات، فيساهم بذلك في إعطاء الأمة مشعلا تهتدي به في الأيام الصعبة. فقد عمد الكاتب إلى غربلة تاريخ العلاقات الإسلامية المسيحية، والتمييز من جهة بين ما هو سياسي قابل لأن تسيطر عليه أهواء بعض السياسيين فيضفي عليه طابعا دينيا يستغله لتسويغ ممارسة العنف ضد المخالفين دينيا، ومن جهة أخرى بين ما هو ديني محض لا يسمح بإكراه أحد من الناس على اتباع دين عنوة، ويدعو إلى حماية دور العبادة كلها. وهو بذلك حقا مصنع لإنتاج الأمل، كما عبر عن ذلك البابا، وأكده الإمام.
إن من مظاهر الأمل الذي يلمسه القارئ في هذا الكتاب تسليط الكاتب الضوء على أخلاق شخصيات أخفى تواضعها كثيرا من الجوانب المشرقة في حياتها، ويأتي على رأس تلك الشخصيات، الحبر الأعظم، وشيخ الأزهر. فقد أبرز الكاتب الجانب الأخلاقي المتميز لديهما مبينا كيف أن الحظ الأوفر في صنع الأحداث إنما هو للأخلاق الفاضلة وحسب. وهذه رسالة جليلة يقدمها الكاتب للقارئ من خلال كتابه هذا الذي يهم دينين عالميين كبيرين.
عبدالصمد اليزيدي
حرر بفرانكفورت يوم الأربعاء ٣٠ يونيو ٢٠٢١












عذراً التعليقات مغلقة