اورو مغرب منير حموتي
رغم أشغال التأهيل التي أعادت لساحة باب سيدي عبد الوهاب بمدينة وجدة جزءاً من بريقها العمراني ما تزال هذه المعلمة التاريخية تبحث عن استعادة روحها الثقافية التي صنعت شهرتها لعقود طويلة فالساحة التي كانت فضاءً يوميا لفن الحلقة والحكاية الشعبية والعروض الفرجوية، تحولت اليوم إلى فضاء يحتاج، بحسب فاعلين ثقافيين ومهتمين بالتراث، إلى مشروع متكامل يعيد إليها دورها الثقافي والاجتماعي ويصون ذاكرتها الجماعية.
تعد ساحة باب سيدي عبد الوهاب واحدة من أبرز المعالم التاريخية والثقافية بمدينة وجدة، حيث ارتبط اسمها بالولي الصالح سيدي عبد الوهاب المدفون بالقرب من الباب التاريخي المطل على الجهة الشرقية للمدينة العتيقة إلى جانب ضريحه المجاور لسوق الجزارين وعلى امتداد عقود طويلة، شكلت الساحة ملتقى للساكنة والزوار وفضاءً مفتوحا للفرجة الشعبية والتواصل الاجتماعي.
وقد حظيت الساحة بعناية خاصة ضمن مشروع إعادة تأهيل المدينة القديمة الذي أعطى انطلاقته صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله سنة 2013، قبل أن تفتتح في حلتها الجديدة سنة 2014 وشكل هذا المشروع خطوة مهمة في سبيل الحفاظ على التراث العمراني ورد الاعتبار لأحد أبرز الفضاءات التاريخية بمدينة وجدة.
غير أن عدداً من المهتمين بالشأن الثقافي يعتبرون أن الحفاظ على البعد العمراني للمكان لا يكتمل إلا بإحياء دوره الثقافي والتراثي، باعتباره أحد أبرز الفضاءات التي احتضنت فنون الحلقة والفرجة الشعبية لعقود طويلة.
ارتبطت ساحة باب سيدي عبد الوهاب تاريخيا بفن الحلقة، أحد أبرز أشكال التعبير الشعبي بالمغرب، والذي يجمع بين الحكاية والمسرح والموسيقى والارتجال وكانت الساحة تحتضن يوميا عروض الحكواتيين والفنانين الشعبيين الذين نجحوا في استقطاب جمهور واسع من مختلف الأعمار والفئات الاجتماعية.
وشهدت الساحة بروز أسماء بارزة في هذا المجال من بينها عبد الله المكانة، والمسيح، وبوجمعة البوكسور، والجيلالي، ولخضر الوشاش، وأحمد الليو وغيرهم من رواد الحلقة الذين ساهموا في صناعة الذاكرة الثقافية للمكان.
وكان الحلايقية يتنافسون في استقطاب الجمهور وصناعة الفرجة، حيث كانت الحلقات تتشكل وفق قدرة الفنان على الإمتاع والتشويق وإيصال رسائله بأسلوب بسيط ومؤثر، ما جعل الساحة فضاءً يوميا نابضا بالحياة والحركة.
ومن بين الأسماء التي ارتبطت بهذا الفضاء الثقافي، يبرز اسم الشيخ علال المالحي، أحد أشهر شيوخ الحلقة بوجدة، والذي ظل لأكثر من أربعين سنة يقدم عروضه اليومية مستلهما حكاياته من الواقع الاجتماعي والذاكرة الشعبية للمدينة.
فبعد صلاة العصر من كل يوم، كان العشرات من محبي هذا الفن يتوافدون إلى الساحة في انتظار ظهوره، حيث استطاع بأسلوبه الساخر والمشوق أن يحافظ على جمهوره جيلاً بعد جيل.
وفي تصريح خص به موقع **أورو مغرب **، أكد علال المالحي أن الحلقة كانت فضاءً للمعرفة والتوعية والتواصل الثقافي، يقصدها الأساتذة والباحثون والصحافيون والمسؤولون إلى جانب عامة المواطنين للاستفادة من مضامينها الثقافية .
وأشار إلى أن معظم شيوخ الحلقة الذين صنعوا مجد هذا الفن قد رحلوا دون أن يجدوا من يخلفهم ويحمل المشعل من بعدهم، معتبرا أن غياب الخلف ساهم في تراجع هذا التراث تدريجيا.
واستحضر المتحدث أسماء عدد من الشيوخ الذين كانوا يؤثثون فضاء الحلقة، من بينهم الشيخ أحمد الليو، والذهبي شعيب، والشيخ السالمي، والمهري، والشيخ الميلود، والشيخ بوحرورة وغيرهم من رواد هذا الفن الشعبي.
كما أشار أن جهودا متواصلة بُذلت منذ سنة 2005 من أجل الاعتراف بساحة الحلقة وصونها، إلى أن تم افتتاحها رسميا سنة 2014، بعد مسار طويل شارك فيه فنانون وباحثون ومسؤولون محليون وجهويون.
وأعرب المالحي عن أسفه لما آلت إليه أوضاع الحلقة اليوم، مؤكدا أنها فقدت جزءاً كبيرا من مقوماتها الأصيلة ولم تعد تؤدي رسالتها الثقافية كما في السابق داعيا إلى إعادة الاعتبار لهذا الفن من خلال استقطاب الحلايقية الحقيقيين وتشجيع الممارسين القادرين على تقديم الحكاية الشعبية والقصائد والأمثال والمواعظ التي شكلت جوهر الحلقة عبر التاريخ.
من جهته أكد الكاتب والناقد المسرحي والمهتم بشؤون الثقافة الشعبية، بنيونس بوشعيب، أن الحديث عن الساحات العمومية يلامس أحد المكونات الأساسية للحياة السوسيوثقافية بالمغرب، باعتبارها فضاءات تاريخية للتواصل والتفاعل الاجتماعي.
وأضاف أن الحلقة لم تكن مجرد نشاط ترفيهي داخل المدينة، بل شكلت على مر التاريخ قناة فعالة لنسج العلاقات الاجتماعية والثقافية بين المواطنين، وهو ما تؤكده الذاكرة الجماعية التي احتفظت بأسماء العديد من الساحات العمومية أكثر مما احتفظت بأسماء فضاءات أخرى.
وأشار أيضا إلى أن ساحة باب سيدي عبد الوهاب تندرج ضمن هذا الإرث الثقافي، معتبرا أن عملية توسيع الساحة وإعادة تهيئتها شكلت خطوة إيجابية في اتجاه الحفاظ على هذا الفضاء التاريخي، غير أن تثمينه الحقيقي يظل رهينا بإعادة إحياء الأشكال التعبيرية والفنية التي ارتبطت به عبر عقود.
وفي المقابل،يرى بوشعيب أن العرض الثقافي والفني الذي تحتضنه الساحة حاليا ما يزال دون مستوى التطلعات المرتبطة بتثمين التراث الشعبي المحلي، داعيا إلى تنويع الفقرات والأنشطة من خلال إشراك فرق الفلكلور لتقديم عروض دورية، وإحياء فن الحكي عبر الاستعانة بحكائين محليين أو مؤسسات ثقافية متخصصة،إلى جانب تمكين الفرق الشبابية المختصة في العروض البهلوانية والرقصات العصرية من تقديم عروضها أمام الجمهور.
كما اقترح فتح المجال أمام الفرق المسرحية لتقديم عروض فرجوية بالساحة ضمن برنامج ثقافي منظم تشرف عليه الجهات المختصة،بما يضمن استفادة مختلف الفئات العمرية والثقافيةويساهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية بالمكان.
من جانبه، أكد عبد الحق مختاري، رئيس مجلس اتحاد ملاك المركب التجاري”أسواق سيدي عبد الوهاب”( سوق طنجة سابقا )،أن الساحة ظلت على مر السنوات فضاءً حيويا يحتضن مختلف الأنشطة التجارية والاجتماعية والثقافية، ويشكل متنفسا لسكان مدينة وجدة وزوارها.
وأوضح أن مشروع إعادة تهيئة المنطقة وإنجاز المركب التجاري جاء في إطار رؤية تروم الارتقاء بالفضاء العام وتحويل الساحة إلى معلمة حضرية تضاهي الساحات الشهيرة بالمملكة، مشيراً إلى أن المشروع مكن من استيعاب ما يقارب 400 محل تجاري، مع الحفاظ على وظيفة الساحة كفضاء مفتوح للساكنة والزوار.
وأضاف أن طموح الفاعلين المحليين كان يتجه منذ سنة 2014 إلى إعادة الاعتبار لفن الحلقة والأنشطة الثقافية الشعبية حفاظا على الموروث الثقافي والذاكرة الجماعية للمدينة.
وأشار رئيس المركب التجاري أن الساحة لا تزال في حاجة إلى مزيد من العناية، خاصة في ما يتعلق بتعزيز الإنارة العمومية وتحسين مستوى النظافة ومعالجة بعض الظواهر التي تؤثر على راحة الزوار والسياح وأفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج خلال زياراتهم للمدينة.
كما شدد على ضرورة تنظيم الأنشطة الثقافية والترفيهية وفق ضوابط واضحة تضمن احترام راحة التجار والمرتفقين وتحد من الإزعاج الناتج عن الاستعمال المفرط لمكبرات الصوت.
وأكد مختاري أن التجار يرحبون بأي مبادرة تروم تنشيط الساحة وإعادة إشعاعها، شريطة اعتماد مقاربة تشاركية تجمع مختلف المتدخلين من سلطات ومنتخبين ومهنيين وفعاليات المجتمع المدني.
اليوم وبعد أكثر من عقد وإعادة تهيئة ساحة باب سيدي عبد الوهاب، يتجدد النقاش حول سبل إعادة الحياة إلى هذا الفضاء التاريخي الذي شكل جزءا من الذاكرة الثقافية لمدينة وجدة.
وتتطلع فعاليات ثقافية ومهتمون بالتراث إلى تحويل الساحة إلى فضاء دائم للفرجة الشعبية يحتضن عروض الحلقة وفنون الحكي والفلكلور المحلي، خاصة الإيقاعات التراثية المرتبطة بالجهة الشرقية، بما يساهم في تعزيز الجاذبية الثقافية والسياحية للمدينة.
ويرى متتبعون أن نجاح هذا الرهان من شأنه أن يجعل ساحة باب سيدي عبد الوهاب قطباًط ثقافيا وسياحيا، على غرار بعض الساحات التاريخية المغربية التي نجحت في الجمع بين البعد التراثي والتنشيط الثقافي والاقتصادي.
فالحفاظ على المكان لا يقتصر على ترميم الحجر فحسب، بل يشمل أيضا صون الذاكرة الجماعية والتراث اللامادي الذي منح الساحة مكانتها الخاصة في وجدان الوجديين. لذلك يبقى إحياء فن الحلقة وإعادة الاعتبار لرواده خطوة أساسية نحو استعادة روح هذا الفضاء التاريخي وضمان استمراره كأحد أبرز رموز الهوية الثقافية بمدينة وجدة.























































عذراً التعليقات مغلقة